إيقاظ الفراشة التي هناك

(المختارات)

قاسم حداد

علاء خالد

إيقاظ الفراشة التي هناكفي قصائد قاسم حداد، عامة، وداخل هذه المختارات بصفة خاصة؛ هناك مفردة أساسية تتكرر، ومن كثرة تكرارها يشغلك التفكير فيها، وتمنحها مساحة ما من تأملاتك وأنت تقرأ القصائد. هذه المفردة هي مفردة "النص".

تتأرجح مفردة " النص" بين كونها تعنى النص الشعري، أو كونها تشير للنص بمفهومه الشامل ، كنص الحياة نفسها.

يأخذ "النص" أحياناً مفهوم الحد الأقصى الذي يجب أن يبلغه الشاعر أو الإنسان، المكان الذي يوثق التجربة الخاصة للشاعر، والمبرهن على امتلاكه لأدوات وأخلاقيات انتسابه لعالم الشعر، والحياة من بعده.

عندما يكون هناك إلحاح على ذكر تلك المفردة "النص"، داخل نصوص شعرية، كالتي بين أيدينا، يعنى هذا تأصيلاً ما لمفهوم هذا "النص".

داخل القصائد يظل هذا "النص" المراد تأصيله يعمل كالشبح، أو يصبح ذلك "النص الآخر"، المرجع، الضابط.

"النص" ليس هو القصيدة بالمعنى الحرفي، ربما يتشابه معها في الشكل وفى حساسية الصنع، ولكنه يختلف في المعنى، ف "النص" هو النوع الأدبي مضاف إليه التاريخ وكل تراكمات وقوانين وأخلاق هذا النوع الأدبي، الذي هنا هو الشعر.

أحيانا أخرى يأخذ "النص" شكل الجسد الإنساني، يتحول الجسد إلى لغة لهذا "النص"، يشف الجسد شعريا، ويتحول لحروف ومعان وتأويلات، ومجازات، وهو التحول أو التضحية الذي يجب أن يقدمها الشاعر/الإنسان ليكون جديرا بالانتساب لعالم "النص". تصبح أمام الجسد مهمة سامية وغاية أن ينتظم ضمن حدود هذا "النص التاريخي الكبير".

يظل "النص" محفزا ً للإنسان كي يضحي، لأنه معيار في حد ذاته ويستأهل هذه التضحية.

أحيانا، في قصائد قاسم حداد، يصبح الجسد بديلا ً عن"النص"، يكتسب الجسد شعريته ، لحظة تطابقه مع هذا "النص الكبير"، وهى الجنة الأرضية التي يبحث عنها الشاعر. أنه ينسخ الشعر بجسده، يتجاوز للحظة ليس بها كتابة. كأن صمت الحروف والمعاني هما الحقيقة الوحيدة في الحياة. الصمت هو عنوان الارتباط مع الكون والعالم المحيط.

النص الذي يتحدث عنه قاسم حداد، ليس له بعد واحد، أنه طبقات، ورحلة اكتشاف، والرحلة داخله، وداخل المعنى، ليست رحلة ساكنة، فالإيمان الذي يطرحه الشاعر هو إيمان جدلي وليس إيمان التسليم.

يكتسب النص قدسية ما، ولكنها قدسية بها اكتشاف دائم، ومحطات، وعتبات. هي قدسية البحث ، والتعرف على الحدود والغايات القصوى للإنسان. هذه المعرفة لها خاصية الكشف، وهو الملمح الصوفي في كتابات قاسم حداد.

في قصائد قاسم حداد، ليس هناك صورة أو مشهد تتوقف أو تحتفي به الكتابة. الذاكرة الشعرية هنا تأخذ مباشرة من منبع المعنى، ومن تراكماته وتمثلاته الثقافية. فالمعنى هو وقود "النص"، وكامن فيه. وهذه الأسبقية للمعنى هو التي تمنحه هذه القدسية. فالكون أو "النص"، له بداية ونهاية وغاية يبحث عنها الإنسان. هناك في القصائد إيمان بدون رسالة، بدون نموذج رسولي، سوى الاحتفاء بالشعر والفرح بالكلمات وما تملكه من قدرة وسحر على التدليل والتعبير والمجاز.

في القصائد ليس هناك مرجع اجتماعي واضح، سوى الأصدقاء. المجتمع مختصر في حدوده الدنيا، وهناك تأكيد على فكرة "المجتمع الخاص". فهذه المعرفة الباطنية لا تتوهج إلا في ظل وجود هذا المجتمع الخاص.

طالما النص له هذا التقدير والقدسية، فالكاتب/الشاعر، يكتسب من تلقاء نفسه دوراً وفاعلية في إنتاجه، ثم الإيمان به، والدفاع عن نقائه. داخل هذا الصراع تبرز فقط فكرة السلطة والمقاومة الواجبة من طرف الكاتب، وربما هي وظيفته التي خلق من أجلها، ليدافع عن "نصه" الذي آمن به، وعن " كلمته"، وهى الوحدة الأولى داخل أي نص.

"النص" ليس ساكنا وأبدياً، بل مخلوقاً، وإبداعياً، ومتجدد الولادة. يتحقق ويبرز للوجود لحظة الولادة، أو لحظة الإبداع. وفى غياب هذه اللحظة يتحول لنص ساكن وهامد ولا قيمة له.

في القصائد، تتحول مفردة "النص" أحيانا لتصبح "الكتاب".

"الكتاب" هو الدرجة الأعلى من النص، هو جامع النصوص.أو هو المرجع الذي نلجأ إليه ، كما نلجأ للقواميس التي تحتوى على إمكانية إعطاء المفردة أكثر من معنى.

الحياة تعكس هناك داخل هذا "الكتاب".

أحد صور "الكتاب" أنه "كتاب العمر" أو "مسودة لكتاب العمر". تلك الحياة المرتجلة التي سيأتي يوم وتصبح هي الحياة الأصل. كأن النص أو الكتاب هما الحياة بعد تصحيحها، وما نكتبه الآن وما نعيشه هو مسودة لهذا الكتاب المؤجل كتابته باستمرار.

إذا كان المرجع الاجتماعي غائب في النصوص، فهناك رحلة داخل القصائد للبحث عن مرجع جديد. يصبح النص بكل تلك المعاني السابقة هو المرجع، لأنه يتضمن ليس فقط حرية تكوين المعنى والصور والأخلاق، بل أيضا يحتوى على الحدود القصوى للحياة المشتهاة والغائبة للكاتب، تلك المرأة المستحيلة "امرأة القصائد"، وكل الذين عاشوا وكونوا نماذج داخل هذا النص التاريخي الكبير" كمجنون ليلى".

هناك غنائية في القصائد، فالغناء هو احد أدوات شحن الذات المؤمنة بقدرة الكلمات وفعاليتها.

لا يكون هناك غناء داخل أي "نص" أو "كتاب" بدون وجود ذات جماعية تتحدث. فالنص ليس تاريخ الفرد، أو الذات الوحيدة، أنه تاريخ الجماعة بشكل ما، وإن لم يكن لهم وجود بداخله، فهناك من ينوب عنهم.

الإسكندرية 28- فبراير - 2008

الأب

ما الذي جاء بي
يا أبي
والقطارات مشحونة بالشجر
القطارات ذات الحديد الحزين
ستخطفني بغتة
في غموض المطر

ما الذي، يا أبي،
حطّني في الطريق إلى النهر
للناي يقتلني
كلما مَـرّ بي

يا أبي
ما الذي جعلَ العانسات البعيدات يشغفنَ روحي
ويغزلنَ، مثل الأغاني النحيلة،
قمصان قلبي
ويمسحن، مثل الهدايا،
جروحي
ويصقلن بي غربة المتعب
يا أبي

ما الذي جاء بي
نحو هذا النبيذ الغريب
كأنّ الجُسُور،
وغيم البحيرات والشجر الحرّ
أرجوحة الغائب

ها أنا، بعد بحرين، تنتابني،
يا أبي
مثلَ برقٍ، بحارُكَ
فارأفْ بطفلكَ
واكتبْ له نجمةً في السديم،
كأنكَ خلقٌ له
خارجَ الكوكبِ.

***

لستً ضيفاً على أحد

تأتي القهوة مسبوقة بعطرها
وتأتي الأراكيلُ
يأتي نحاسُ الطواجن مكلّلاً بالبهار
وباللؤلؤ (البسمتي) من الأرّز
ويأتي تختُ الموسيقى بصناجاته
بالتوابل نفّاذة مثل عطر الغابات
تأتي التآويل والبهاليل
ومنعطفات لا تحصى
في شارع (كودم) الزاخر بمقاعده وخضرته
بمنافذه الكثيرة نحو مسارب الضوء
بمداخل ترصد الظلال الكثيفة في حواف الرصيف اللانهائي
يستيقظ (كودم) قبل منتصف النهار
فيحرّك أعضاءه مغتّراً مثل سفينة عظيمة متعددة الصواري
بأضوائه الثلاثة ذات السطوة
حيث فيزياء المكان
أضواء تصدّ العربات من هنا
وتطلق نهر الناس من هناك.

سفينة تؤرجح صواريها
وتهتف: ها رشاقة الناس بين الرصيف والمقهى ومنحنيات الريح
صوارٍ قصيرةٌ واثقة مستغرقة تحرس غفلة الكائنات
صوارٍ من المعدن القديم
تتّكئ على أرصفة تظلّلها شواهق الأشجار
تمنح الحركة على الكائنات بالقسطاط.

أحصيها صاريةَ صارية
واهتف:
صباحُ الخير للمدينة وهي تنهض من نومها
صباحُ الخير لكائناتها في شارع (كودم).

لستُ ضيفاً على أحد
فكلما رشفتُ قهوة نقصتْ صارية
ولمع لونٌ جديدٌ في تاج الشارع المغرور
مستعيداً مجداً يكاد أن يذهب.

لستُ ضيفاً على أحد
الأشياء تأتي مأمورةً
أجلسُ في عطر المقهى
وأطلق كلماتي في دفتر الشارع
لأرقبَ رشاقة الكائنات وخفّتها
تعبر ذاهبةً إلى بهو الوقت
أقداح البيرة الضخمة وهي تفرز عضلات الزند
الأقداح الطويلة المبعوجة ذات الخصر
لكي ينثال الذهب خارج السيطرة
فناجين القهوة بتاج الرغوة الهشّة اللاسعة
الطيور المذعورة لفرط أبواق مشجعي الكُرَة الطغاة.

أتّكئ على سلّة ريح عابرة مُكتظّة بوريقات صفراء
فلستُ ضيفاً على أحد
برلين غير مكترثة بي
لكي أنالَ الحريّة كاملة
ففي حانات الشارع المُكابر
لم أطلبْ ضوءاً مُضاعفاً للكتابة
العتمة تكفي
وتكفي نافذةٌ بشرائط البوص الرهيفة
نافذةٌ تظلّ مواربة لئلا تصدّ نسمة متعبة.

لستُ ضيفاً على أحد
هنا،
لا أحد يمنع وحشة البيت
بيتٌ هاربٌ من منخفضات الريح
لاجئاً إلى أرجوحة الأعالي
بيتٌ يختار عزلة الطابق الرابع
مرصوداً بدرجٍ باهتٍ تزخرفه مساقطُ ضوءٍ شحيحٍ
في حضن عتمة مُترفة

لستُ ضيفاً لكي أصعدَ على مضضٍ
إلى بيتٍ يخافُ من وحشته
لستُ ضيفاً لكي أنامَ وحدي
في غرفةٍ تئنُّ أرضُها مصقولة تحت عربات أحلامي
فليست الشرفة غير وريقات صفراء تهطل في شارع (كودم)
وعطايا النوم رحلة مشتهاة تكاد أن تغفو.

***

المحرق

أزقّتها المتربة
تجاعيد أطفالها الشاحبة
زرقتها،
ريشة التاج في عرسها
بحرها يحرسُ الفقرَ فيها
ويجتازها
تحضر الآن، في غيم برلين
رغم المسافات
تقترح الكتب الغائبة
أسمعُ نومَ النوارس في معطف الليل
أسمعها في الظهيرة
أركضُ،
والشمس خلف الخطى التائبة

يا أيّها الولع المرّ
يا منتهاي البدائي
أيتها المدن الغريبة
أنساكِ و أذكّرها وحدها ..
فرساً سائبة.

***

النافر

يتوجّب أن تكون بلادكَ جزيرة
لأجل أن تحظى بفداحة البحر وهو يبتعد عن بيتك.
يتوجّب عليكَ أن تفنى قليلاً في انتظارٍ رحيم
لئلا يتأخّر بكَ السفر في درجة المنفى
عندما بلادك جزيرة تحميك من الغزو
وتأتي لك بالرحيل والمغامرات
ولا تنساك
على أن تكون نافراً
ومستعداً لذلك.

***

ما لأحد مثلنا

ما من شعوب تزعم تكبّد الخسارات
وتجرّع الهزائم
وهَدْر القرابين
مثلما نفعل،
من غير حكمة ولا درسٍ ولا موعظة.

ما من شعوب تخضعُ لعسف حكّامها
وتبجِّلُ جلاديها
وتستجيرُ بالجحيم
مثلما نفعل.

نحن جوابو الجهات
نحسن غزلَ الشِباك لخطواتنا
نصقل جمرَ المواقد لتصهرَ المسامير
وهي تنغرس في لحمنا حتى خشب الروح
نغيّـرُ جلودَنا لكل سوطٍ
ونتضرع للنصل لئلا يكفَّ
ونعضّ عليه بالجراح
نقرأ مصائرنا في الليل
وتقودنا الكتب.

صَـبَّ اللهُ الأصنامَ لنا بالدوارق والأباريق
طواطمَ تجثم على الأكباد
تصهرنا في جبل الفولاذ،

آلهة تعبثُ بلا غضبٍ ولا ضغائنَ
تضعنا في غرفة الصاعقة
وتصفق الباب خلفنا
وتنسى.

***

ليلها

في ليلِ برلين يُخطئ مستوحشٌ بابَ أحلامه،
كلما انتابه النومُ
أطلقَ أشباحه في الهزيع الكثيف من الوقت
يُخطئ مستوحشٌ
عندما ينهمرُ الخوفُ من ليلها.

برلين ليستْ على رسِـلها
بيتها غابة
برلين محروسة بالكلُورُوفيل
بالأخضر الفائض المُستهام
بالبحيرات والإنسجام
برلين تسهو قليلاً
فيستيقظ تاريخُـها في التفاصيل،
في دفتر الحرب
منسابة في ما تبقى من الحجر القرمزي
من الفرن يخبز طيناً ويرسمه للجياع
من المرتجى في ضياع الهروب الكبير
من الموت
مما تبقى لبرلين من صوتها
من الليل أطول من نومها.

يا ليل برلين
يا حارسَ الخطوات البطيئة عبرَ الممرات
قلْ خبراً واحداً يسعفني في صباحٍ بعيد
قلْ كيف اقرأ أخبارَها
كيف أساعدها كي ترى في الظلام الوحيد
احتمالاتها في كتابي؟

يا ليلها قلْ لها
كيف سأقرأها في كتاب الصباح،
كما يصنع الخوفُ لي
ما يـلي في الخطى الراعشة
شرفتي الموحشة
سفرٌ موغلٌ في التآويل
في معجم الليل،
تاريخها، منتهاها
لها ما يحضّ على الذكريات
ما يجعل السور إرثَ الكوابيس
ما ينتهي حين يبدأ
ما يستحيل اختزالاً مُخلاّ لها
وهي في ليلها
في الهزيع السريع من الحلم.

يا ليل برلين
دعني أفسّـرُ ما سوف يبقى من الروح
في البدء والمنتهى.

***

ملاك

دَع الملاكَ يتولاكَ
كلما هممتَ أن تنهلَ القدحَ المكنوزَ بنسيان العنب،
دَعْـهُ،
يعرفُ تقديرَ المسافة
بين شفرة الزجاج وشفتين مصقولتين بالولع
سترى كيف يكون الترنحُ بهيّاً
برفقة ملاكٍ
يَـرويك ويَـروي عنك
فتعرف النشوة
في اندلاعِ اللهب المكبوت
فصلَ التذكر الأول،
عنبٌ يستعصي على النسيان
دعه،
ملاكٌ ينتابكَ مثلَ الشغف
يفتحُ لك الطريقَ
يمسح الصهدَ في تجاعيدِكَ
ويصقل لك يقظة التآويل
دعه،
ينالك مثل برق العشق،
ملاكٌ هي الكتابة.

حجر قديم

تخوضون في الدم
في العقيق القديم
في زجاج يكسر الحنجرة
في طفلة منثورة في الحاشية
فيستيقظ الضوء في الباقي من الروح
في بريد النيازك
يبدأ فينا
يقرأ الدفتر
ويتجرع الحياة.

تخطّـون في حجر الدم،
ينسى ويمحو.

***

الصنوبر الزكي

(إلى مهيار)

في انتظار
الفارس القادم من الصنوبر الزكي
يأخذني إلى المسرات
ويمنح روحي لحظة البهجة
الفارس الضائع في المدينة
سوف يخطفني من رصيف القطار
حارساً يقظاً لعثراتي المتوحشة
لئلا تستفرد بي وحشة
ولا تنال مني خطوات الغربة المرتبكة.

***

مسافات ضوئية

تؤثثين غرفة الليل بغيابك
لا أحد يلمس الضوء وينجو
دون أن يعبر المسافة بين القلب والكتاب.

***

اليد وحدها

ستبكي هذه الـيـدُ وحدها
وهي ممدودةُ
يزخر بها فضاءٌ مشحونٌ بالانتظار..
كيف تقوى نوافذه الغامضة
على وداعِ ليلٍ ضائعٍ مثل هذا؟

كانت اليد وحدَها بلا مناديل
ولا دمعٌ ولا عناق.
يدٌ ممدودةٌ في سديم الميناء
مثل غيمٍ كسرته زخّـة من قذائف المساء
وقطعتْ حبالَ السفن النائمة.

اليدُ وحدَها
ذات اليد الوحيدة
وحدها،
بكتْ وحدَها.

***

رعاية الآلهة

عصيٌّ على إدراكي،
آلهـةٌ يسوطُوننا بها
في مواقيتَ محسوبةٍ
ويطرحونَ صوتَها الخفيضَ على أرواحنا
في هيئةِ رعودٍ، وفي بروقٍ،
آلهـهٌ صامتة هناك
في أعاليهِا
لا تلوي على الطفيفِ من الأمرِ
أمرٌ قديم
لا نحتاجُ أكثرَ منه،
أن تشرحَ لنا صدورَنا المكدورةَ
بكلمةٍ ترقى على تفاسيرهم
وتبرأ من تآويلنا،
كلمة تضعُنا في المكان الآمنِ من الصلاة
لئلا يتملكُنا شكٌ
بأن الحبَ ممكنٌ وجميلٌ
برعاية آلهةٍ
بلا سدنةٍ ولا سطوة.

***

سديم الفلك

(إلى أمين صالح)

يا سديم الفَلَكْ
ما الذي يجعل الناسَ مرتابة القلب
كي تطمئنّكَ في خلقها، نجمُها في الحَلَكْ
ما الذي يجعل الكونَ أرحبَ من رحمة العاشقين
وهم يغفرونَ لنا السهوَ
يستنفرونَ الملائكَ
كي تجعلكْ..
.. رائياً،
يا قرينَ المرايا التي تصقلُ النصَ
هل قلتَ حلماً لمن يجهَلَكْ .
قالت لي الشمسُ
و النارُ و النهروان
عن الزعفران يزخرفه الندماءُ
وينتخبونَ الزجاجَ
فمن قالَ لَكْ.
ليتَ لي في كتاب السماوات
ما واتَتْ الريحُ روحي
ولا راقَ للموت ، يأتي طفيفاً
لكي يسألَكْ :
ما الذي أجَّلَكْ
لكي تنقذَ الليل من نومه
وتغسل ماءَ الصداقات
ما أجملكْ
غريبٌ، ووحدكَ،
وحشُ الأقاصي أليفٌ على ضفتيكَ
وتسعى إليكَ التآويلُ
سبحانَ مَنْ أوَّلَكْ.
فمن، بالعناصر، أغراكَ
مَنْ خَصَّنِي بالجواشن،
بالأبجدية كاملةً،
بالنهاياتِ تبدأ،
بالنص والشخص
ليتَ الذي صاغني من جهنم
يطفئني بالجحيم
لكي يخطئ الموتُ عنوانَه
ليتَ لي / ليسَ لَكْ.
تبجّلتَ بالحب
عيناكَ مأخوذتان
بما يمنح القلبَ تأويلَه المستهام
كأنَّ الكلام الحميم
تراتيلك المصطفاة
يا قرينَ المَلَكْ
نَجِّنا في الهَلَكْ
سوف ينتابك الوقتُ
أرجوحة في مهب النيازكِ
ينتابك النصُ
حتى ترى ما يرى الأنبياءُ
وما يَكشفُ اللهُ لكْ .

****

لا تدعها تنكسر

(إلى حفيدتي أمينة)

ساقكَ الرشيقة بوترها الرهيف الملفوف بلحم شفيف، ساقك التي هي قصبتك الركيزة المنسابة بين الجسد المغرور والأرض الماكرة.
ساقك التي تحملك منذ اليقظة حتى النوم، ترأف بحركتك اللامبالية وتزن بك الهواء كلما انتفضت ظاناً أنك النسر،

ساقك تروزك مثل بيضة القبان،
وتدوزن حركتك اللاهثة، بلا اكتراث،
مندفعة نحو الاتصال والوصل،
حركتك تذهب بك غافلة عن الوسائط.
وساقك
ساقك، ميزانك، يقظة أعضائك، لا تغفل عنك،
عبر الوقت والمكان،
محمولاً في راحة الرحيل وأنت لا تعي ولا تتعلم.

ساقك القصبة القصيّـة عن المعنى،
كلما جلستَ برهة نالتْ الراحة المؤقتة بين مبالغاتك المتهورة في الحركة والزهو والعنفوان، كلما جلستَ على مقعدٍ أو بسطتَ بدنك على سريرٍ، تَـيسَّـرَ لساقك المتعبة لحظة من عبئك الفظّ وثقلك الفجّ وجلافتك قليلة الفطنة، لحظة تنال راحة واحدة في خضم نهارٍ مشحونٍ باجتياز المكان، وليلٍ لا يهدأ من اختزال الزمن، كأنك تنتـقـل في ريحٍ غير مرئية، حيث الساق الرشيقة المذهلة متوارية في الثوب، ملفوفة في اسطوانة البنطال، ساقك المأخوذة بكَ، لكأنك لا تعرفها، لا تتذكرها إلا في لحظة الفقد، اللحظة التي تصعبُ فيها المعالجة أو تستحيلْ.

ساقك، سباقـك الخفيّ في السفر والإقامة.
لا تدعها تنكسر وحدها
لا تخذلها فينالك الخذلانُ العظيم
كأنها القصبة التي منحتها لك الآلهة لأجل السعي بها نحو الموسيقى الذهبية للحياة.
موسيقى العمل،
فبدون هذه القصبة الرشيقة التي يتكئ عليها جسدك ويتأرجح ويرتجل وينفر ويرقص، بدونها، بدونها، بدونها، لا أنتَ أنتْ، كأنك كائن أقل قليلاً من الصدى،
وأكثر قليلاً من محارة مكسورة على سطح خشب قديم،

لا تدعها تنكسر
ساقك العمود الصغير، القصير، المنسي، المهمل، الضئيل في جسمك الهائل، هو، هو، هو، عمود خيمتك الأول، الوحيد، النادر، الذي لا يعوَّضُ، وما إن ينكسر حتى تنهار خيمتك العظيمة، وتتهاوى أبراج سرادقاتك الشامخة، وتستوي بالأرض وربما بأقل من الأرض أيضا.

فقط،
لأن قصبتك الصغيرة، بزلةٍ أصغر منها، سوف تتعثر وتصطدم وتنكسر، وحدها، تلك القصبة، تتركك وحدك، كلما بالغتَ في تقمص الإعصار بين الباب والعتبة.

فلا تدعها تنكسر
لا تدع جسدك يكبو على وجههِ في اللحظة التي يتوجب عليه أن يشبَّ ويشمخُ ويستقيم.
فبعد هذه القصبة، وبدونها، أنت في مهوى القصور الكامل عن إزاحة الستارة في نافذة خلفك. بدون ساقك الصغيرة النادرة، سوف تتضرع لكل الآلهة كي تعينك المخلوقات السائرة على الوصول إلى الطرف الثاني من السرير.

وما عليك إلا أن تجرب ذلك، لكي تعرف معنى أن تكون بلا ساق سليمة غير مكسورة، لن تقوَ على الانتقال من ساحة الهيلمان إلى غرفة السكينة، ومن غير تلك الساق، التي ستتذكرها بحسرة المجنون، ستعجز عن جنة الماء وحرية الهواء، في الغسل والرمل بين الجغرافيا وتفاصيل البيت.

فلا تدعها تنكسر،
قصبتك الذهبية،
منحة الآلهة، ونعمة الغابات الأسطورية،
انتخبها لك اللهُ لكي تغنّي بها الحياة بأجمل أغانيك، وتغزل بها أشرعة أحلامك البهية، وتسعى بها مثل جناح الرحمة نحو حنان الراحة وحرير الحب. قصبتك الأصغر من قوس الصدر والأحن عليك من وتر القلب، فلا تفرط فيها ولا تغفل عنها ولا تجعلها في مهب التهور.

لا تدعها تنكسر فينكسر قلبك على نفسك،
بساقك فقط،
برشاقتها الباهرة،
بها وحدها تذهب إلى الناس، وتذهب عنهم،
مشغوفاً بهم متحرراً منهم،
معلناً الحب على من تذهب معه وتذهب عنه.

كل ذلك لك،
ما بقيتْ ساقك لكَ،
صحيحةً، طيبةً، تطيرُ بك فيما ترأفُ بها وتتزنُ وتكترثْ
ساعتها فقط،
يصحُّ لك أن تزعمَ أنك ريشة في جناح الآفاق
جالساً في تاج الأوج
في جنة المشتاق،
والساق على الساق.

*****

تلك

تلك التي تترك المطر يقتفي أثر خطواتها
تلك المتعالية ناظرة إلى الشجر من شرفتها
تلك الرشيقة مشقوقة القميص
طائشة الشعر
تلك الضائعة
منشورة الأجنحة
مأخوذة بفكرة الآلهة
تلك المكترثة بعبء الخَلْق
غير المُتاحة في القصائد،
لا أعرف لها صفة ولا طبيعة.

****

حكمة الشجرة

الشجيرات المُزْرقّـة لفرط البرد
المُثقلة بالانتظار والمعرفة،
قالت له الحكمةُ
نصَحَته بفهارس الأرق
ألاّ يعبر تحت موجها الأزرق وهي تبكي.

قالت له الحكمة
خصّته بفصاحة الألوان
وهو يضع كتفيه في المعطف
وهو يزيح الطينَ عن خطوات الماء
وهو ينحني بعبء الخبز
وهو يستعصي على الضغائن.

تحولاتٌ وضعتْ يده في المناجم
وغمرتْ أهدابَـه بالقناديل
الشجيراتُ ذاتها، رهينة التحولات
وهي تصْـفرّ غيرةَ
وتحمرُّ لفرط البوح.

***

أقلّ من القلب

قليلٌ على القلب
هذا الذي كنتُ سمّـيته
والذي كنتُ أجّلتُ روحي له
والذي كلما طاشَ عقلي به في الصباح
تضرّعتُ للشمس كي تنتهي عنده
أقلّ قليلاً من القلب لكنه
شدّني بالتآويل
واقتاد روحيَ
وانتابني.

كل هذا القليل الصغير من القلب
الذي كنتَ بجّـلته
نالني، وانتهى
فابتدأتُ
كحبٍ صغير على القلب
هذا الذي خُنتني كي تموتَ له
والذي، أعرفُ الآن،
تقتلني كي تكونَ له
كل هذا الأقلّ من القلب
كيف، تجاوزتَ حبي،
وصدقتَـه
ثم كيف انتميتَ، انتهيتَ
وصليتَ، كفراً، له؟

***

فكرة العمل

الفارغُ من الدلالات
كلما بالغَ في طرح صوته
ضاجاً
مجلجلاً
يجهر بجرأة خطابه الفجّ،
كلما شَـغـرَ به المكان
وفرغت التجربة من أخباره
وخرجَ عن فكرة العمل.

كلما تكاثر بالكلام
شحّتْ دلالاته
وشَحُبَ المعنى.

***

صلاةٌ ليستْ لَهُ

إلهي
إلمسْ هذا القلب بقلبكَ
هل تعرفه إنه لكَ

مولعٌ بكَ ومأخوذْ
لكنهم سَدُّوا كلَ الطرق التي إليكْ
كلُ فريقٍ يستحوذُ طريقاً ويصنعُ له باباً
ويقولُ : ( بابي هي الطريقُ )

إلهي ، دُلَّنِي على طريقٍ
لا مملوكةٌ ولا محكومةْ
ولا بابٌ لها ولا جُندْ.

***

آخر الأنخاب

يتضحضح وهُمْ يَتْرَعُونَ القلبَ به
حتى إذا سَكرَتْ الرأسُ
ضَجَّتْ الطريقُ بالتهاليل
وأوشَكَ الوضُوحُ أن يَتَغمَّضَ
تَخرُجُ طفلتُه تَتَرنَّحُ
تقول لهم : ( ثُمالتُه دَنَتْ
فادخلوا أنقذوه ).

***

حوار

أنْ أختلفَ مع الجرحِ
على أنْ أأتلفَ مع السكين .

***

النوارس

هل أنتَ وطني ؟
لستُ في ريبةٍ ولا في ثقة ؟
ولكن النوارس المذبوحة في قلبي
لا تقدرُ أن تنام ؟
تظلُ مرعوشةً تنتفضُ وتَرّهَشُ
فتصبغ ثيابي بأرجوانها
لا تخجل النوارسُ من ذبحها
لم تكن في ريبةٍ ولا في ثقة ؟
ولكنها كانت تسألُ
هل أنتَ وطني ؟
تلك النوارسُ المذبوحةُ في قلبي
والتي لا تنامْ
ماذا أقولُ لها لكي تهدأ في الذبح ؟

***

تاريخ

الذين كانوا،
كانوا.

***

عشاء المحبة

مائدتي مفتوحةٌ لعابري السبيل
للصعاليك والزنج والخوارج والدراويش واللصوص
والمتصوفة والقرامطة والقراصنة
والذين يسألون ويشكُّون
وليس لسيوفهم غُرفٌ غير الصدور
كَسَيفٍ من الله جاء
إلى الله يذهب .

***

القلعة

أبني القلعةَ من حَولي
أشيّدُها حَجَراً حجراً
و أستنفرُ الجيوشَ لتبدأَ الهجومْ
وحدي ،
أستعدي شهيةَ القتالِ في شَجاعةِ الأعداء
أهيئُ لهمْ كي يبدأوا شَحْذَ الأسلحة
ويُحْسِنُوا التَصْويبْ
أبعَثُ بكُتُبِ التحدياتِ و أنتَظِرُ في القلعة
وحدي.
كلُّ موجةٍ من الهُجُومِ أسمِّيها تفاحَةَ الغِواية
أمْقُتُ الأسلحة لا أُحْسِنُ الحربَ ،
وليسَ لديّ جنودٌ ولا سُـعاة
وحدي
كلما ارتدّتْ هَجْمَةٌ أسعَفْتُ الجَرحى
وبَعَثْتُ بالأسرى مُدِجَجِينَ بالهدايا
أرمِّمُ أسوارَ القلعةِ
أدْهَنُها ، و أزيَّنُها بالقناديل
كي تُرشِدَ الهجومَ التالي ،
فربما يَحْلُو لهم أن يَبْغتُوا في الليل
فها أنا وحدي
و القلعةُ صامدةٌ.

***

السبايا

مثلما سَمَكَة تَفْقِدُ عادَةَ الماء
و زَعانِفُها تَتَلاطَمُ في طينِ الشاطئ.
القواربُ تَجمَعُ التَرِكاتِ
وتَرمي بشِباكِها الواسعة
لتخدعَ الأسماكَ المكابرة بِحُرّيةِ الماء
فأرى إلى الأحزاب تَتَكَدَّسُ في خَراجِ الدولةِ
و الجُــباةُ يُبَجِلُونَ قَهْوَةَ الصَيارِفَة.
أرهبُ السَبايا بِفَضِيحَةِ الصَمْتِ
و أُصْغِي لِدَسائِسِ المَثْقُوبينَ بوَهْمِ الدولةِ و الحِزبْ
أعرفهم ثُقباً ثُقباً
أرقُبهمْ من بُرجِ القلعةِ
يَنْحَدِرُونَ و الحَسَكُ يَتَفَصّدُ من أطرافِهمْ .

***

خطيئة 3

أيها الملك ..
نحن رعاياك الذين تباهي بنا الأمم :

لقد سئمنا هذا المجد .

***

الأنخاب

يسيرُ لا يعبأُ ولا يكترثْ
خطواتُه طريقٌ
وفي رأسهِ شَغَفُ النار
يَرى الحسنَ ابن الهيثم هنا
يراهُ ساحرَ المرايا
يَهَبُ الضوءَ و الماءَ مملكةً ويراهُ
مدججاً بالبريقِ
زُجاجةٌ في يديهِ لا يعبأ ولا يكترث
وريثُ الطبيعةِ
يشفُّ يَخدعُ الأفقَ و المرايا
ويرسمُ الماءَ في الكأسِ
للرأسِ أن تَسكرَ
أن تكسرَ الكتابة
و المرايا في دورةٍ في دُوارٍ
له الطريقُ خطيئةُ الأرضِ
نهراً يراهُ
يفضّضُ الجثةَ كي تُحسنَ الحلمَ
و الماءُ زينةُ المرايا.
يغادر النهرَ

يلجأ في خندقِ الضَلالةِ و الضوءِ
هو الحسنُ ابن الهيثم
يُغرِّرُ بالعينِ كي لا ترى ما تراهُ
طريقٌ مكنوزةٌ مثلَ طيرٍ
يسيرُ لا يعبأ ولا يكترث
يرفعُ الكأسَ للشمسِ : هذه نخبكِ أيتها المليكة .

***

مديح

رأيتُه يَلْهَجُ بالبيارق
جذورُه في كهوفِ الكُتبِ
يَداهُ مَكفُولَتانِ بِغَدْرِ التَوَقُعِ
يُؤَرِخُ لهزائم الحروبِ
ويَتَذَكَرُ المَستَقبلَ
قبراً
قبراً
لكنه لا يَخْلَعُ دُرُوعَهُ
يَرى البيارقَ تَشغَلُ المَدى كغُربانٍ
فَيَتَهَلَّلُ ويَبْتَهِجُ
يَصادِفُ في غَمْرَةِ يَأسِهِ أجنِحَةٍ و تَوابِيتَ
فَيَصْعَدُ في حُبُورٍ
يَرى فَزَّاعاتِ أحلامِهِ تَنْتَخِبُ له الكفنَ
وتُعِدُ له المَدِيحَ فَيُصابُ بالتَهَدّجِ.

***
$$ذاكرة

كأنكَ طفلٌ
تَهِبُ الموتَ لتنجو من جسدٍ يرثُ الأنصالَ
كأنَّ الأطفالَ يهيمونْ
تُغوي الجرحى برهيفِ الخنجرِ
هل أنتَ كلامٌ يكفي ؟
رفاقكَ في طينِ الله ويرتبكونْ
رفاقكَ يبكونْ
و أنتَ تسوقُ قطيعَ الهذيانِ
وتمنحُ يأسَكَ حرياتِ الموتى
يُجدَلُ حبلَ كلامِكَ للأعناقْ
كأنَّ رفاقَ الماضي يَمْضُونْ.
كلامكُ يكفي
مثلكَ أجسادٌ تسأمُ مَجدَ القتلِ
وتُبحرُ نحوكَ
هذا الضوءُ يؤججُ جرحَ الناس
وأنتَ تكلمْ
شطَّ الأصحابُ
نسوكَ كماضٍ يمضي

غطاكَ الغيمُ
تفزعُ في قمصانكَ أخبارٌ تهذي
مثلَ قناديلِ الماء
كأنكَ تشحْبُ في جسدٍ يقتتلُ الآن
كأنكَ مثلكَ
تمنحُ رفقتكَ الخنجرَ
كي يختبروكَ
كأنكَ مثلكَ تلهو.

***

إغواء

رأيتُ الزنزانةَ تَنْزَعُ جدرانَها
وتَكْشُطُ الصَدأ عن الحديد
تَضعُ الزِينَةَ
وتُأرْجِحُ أقراطَها و تَنْتَقِلْ.
رأيتُها تُضاهِي الوَطَنَ
تَضَعُ الحُدودَ في ظِلِها
تَتَبَرَّجُ و تَسْطُو على الأفقِ.
و الذي في شَكٍ و في يَقينٍ
عليه أن يَعبأ.

***

هناك

يتذكرُ زنزانتَه ونافذتَه
مثلَ عشقٍ ليسَ للنسيان
يتهدجُ في قفصِ الحرية :
يا لهناكْ
حيثُ الأفقُ اللامتناهي يشملُ رعاياهُ بالغيم
كأنَّ الحرية كانتْ هناك
شاسعةً ومشتهاةْ
يُباهِي بها الحياةْ
لم تكنْ سلطةٌ تَطالَهُ ولا يدٌ عليهِ
رهيفاً مثل شفرةِ الوقت
صارماً مثل برقٍ
شاهقاً كشموخِ الآلهة
يداهُ في حرية الخلقِ
يمنحُ أحلامَه اللغةَ
يرأفُ بمخلوقاته ويصطفيها.
يا لهناك ،
حرياتُه القادرةُ بدأتْ من هناك
وهنا يلزمُ البحثُ عن قرائنْ.

***

فَجُّـكِ العَميق

جُرحُكِ الوحيد الذي لِي ،
هل تاجٌ يَتكاسرُ عليه المـُلوكُ ؟
هل نارٌ خَجُولـةٌ تُغرِّرُ بالصَّعاليك وقطّاع الطُّرقِ
وتفضحُ كبرِياءَ القراصنة ؟

جرحك هَدْأةُ الليلِ ،
قلتِ مرةً إنَّه واهِبُ العاصفة .
هل أنت قبلةُ العاشق يغتصبها شخصٌ غائب.
هل جنةُ الأقاصي ،
لا يذهبُ إليها شخصٌ إلا وأُصيبَ بموهبـة قلقامش
لكي يَفقـِدَ صَديقـاً .
قلتِ مـرةً عن فُحولٍ تتبادلُ الهجومَ
وتُـؤجِّجُ الجُرحَ بنحيبها ..
فيما تَحُـكُّ جنسَها بحراشف الجبل
تَحرسك في نزهة الليل .
الآن، لم يَعُد النهارُ كافيـاً و لا الليــلْ،
فَفِي كل منعطفٍ أَسمعُ لجرحك صَريخاً
مثل شَبق العناصر وشغف النّاسِك ،
لِئَـلاّ يموت قبل الحُبْ.

جُـرحك المَكنُون
يُسمُّـونهُ الحِصْنَ في شَاهِقِ الجبل،
هو البَعيدُ المبذول لشهوةِ الأقاصي
قلتِ مرةً أنه لِي ،

وكلَّما وضعتُ يدي عليك غاصَتْ كأنَّها رِيشةُ السَّديم
لا تعرفُ البوصلةُ جهاتَك ولا يَطالُكِ المـاءُ .
جـرحكِ جهةٌ تحـجُّ إليها الجيوشُ وتتدفقُ فيها الأنهارُ
ويُصابُ بالفَقد كلُّ باسلٍ يتوَهمُ النَصرَ أو يتوسمُ الهزِيمة.
فَجُّـك العميقُ في العِفَّةِ
مفتـوحٌ مثل أَشـداق المغفرة
تركـضُ إليه المخلوقـاتُ مـأخـوذةً بشريعة الغـزوِ.
قيل إنك الصَّدرُ الواسِعُ
يَقْبَلُ التَّوبَةَ ويأخُذُ إلى الغِـوايةِ .
قِيلَ كَنّـزُ السِّـلاحِ .
عنـدمَا يَفِـرُّ الجَسدُ من نِصَـالك لا ينْجُـو من الذَّبِيحَةِ
حيث الجُـرحُ الوحـيدُ المفتُوحُ على آخرهِ ...
مثلَ بَهْوِ الجَحِـيمْ .
قلـتِ انَّـه لــِي،
جـرحـُكِ الذي تـاجُ المـلكِ و وردةُ الناسِ ،
قلـتِ لـِي وحـدي .
هل أنت جرحٌ أم سَلـَّةُ السَّناجبِ
أم نيازك مـذعـورةٌ تخدعُ الليل؟
من أين لكِ هذا التَّماهي وهذه التحـولاتُ
تذهبـينَ إلى نـاسِ العُرسِ فيصابونَ بالوَجلْ .

ها أنتِ أجمل من يقـول
ها أنـا
أضعف من يسمـع
... و يُصـدِّقْ.
الخلايا منذ الحديدِ والذهبِ منذ غيظ الهذيان منذ الوحيدِ وحْده منذ أنْ

***

انتحارات

سَنقرأُ شِعراً
يُـؤلفُه الأصدقاءُ وينتحرون
ونغتاظُ مما سَيَخْسَرهُ الأصدقاءُ
لتَبْكِيرهِم في الذَهابِ
فَلَهُمْ عندنا جَنةٌ في العُيون.
لَـدَينا لَهم ما تَبقّى لنا
مِنْ بلادٍ ومن حَانةٍ،
يَسْتَعِيدُ بها السَاهِرُونَ مَراراتَهم
في زُجاجٍ كئيبٍ ويحتدمون .

لدينا لهم جَوقةٌ من بقايا الحروب،
جنودٌ يُؤدُّونَ كُلَّ النَهاياتِ
يَفْتُونَ في جَنَّةِ الله
ويَستَفسِرونَ عن الشَّمس ،
حتى يَكادُ الجنونْ .
أيُّها الأصدقاءُ لدَينا لَكُمْ
مِنْ تُراث الضَغائِنِ مَخْطُوطَةٌ حُرَّةٌ
فكيفَ سَنَقْرَأُ شِعْراً لَكُمْ
وأنتُمْ بَعِيدُونَ عَمّـا أدَّخَرْناهُ لِلِّيلِ مِنْ قَهوةٍ مُـرةٍ
ومنْ فَلَذاتٍ و أعداء لا يَرحَمُونْ .

لماذا تَشُكُّونَ إنّـا وَحِيدُونَ مِنْ بَعدِكُمْ ،
ونَحنُ هُنا في البَراثِنِ مُسْتَوحِشُونَ
ونَرْفُلُ في الوَهْمِ ،
كيفَ تُسَمُّونَ أخطَاءَنا نَزوَةً

ولدَينا لَكُمْ،
- لو تَركتُمْ حَمَاقاتِكمْ بُرهَة ً - خُصُومٌ ألـدّاءُ
يَسْتَرِقُونَ مِنَ النَّصِّ ما يَجْعَلُ السَّيفَ تُفاحَةً ،
يُغالونَ في الإجتهادِ ويستنفرُونَ إذا مسَّهمْ صمتُنا.
أيها الأصدقاءُ الوَحِيدُونَ في صَمتِهمْ ،
لماذا ذَهَبتُمْ بِمُنْعَطَفٍ فَادِحٍ
ولَكُمْ عِندَنا العَاشِقاتُ اللواتِي يَطِرْنَ لَكُمْ شَهوةً
ويَغسِلنَ بالرَّغَبات الحَمِيمَةِ أجسادَكمْ .
لدينا لكم - لو تَريثتمُ - نُزْهةٌ في الهَزِيع النَـزيه مِنَ النَّصِّ ،
كَي تَأخُذُوا آخرَ الأوسمة،
فكلُّ انتحاراتِكمْ عَبَثٌ عَارِمٌ وكلُّ احتِمالاتِنا مظلمة .
لماذا تَظنُّونَ أنّـا قَرَأنا لَكُم سَأمَاً وتَنتَحِرونْ
لماذا لنا وَحْدَنا أن نُرَمِّـمَ إرثَ الضَغائِنِ بالشِّعرِ
كي نَستَحِقَ اللَّحاقَ بكمْ،
ولكمْ وَحْدكمْ رَغبةٌ في الغِيابِ كَمَا تَشْتَهونْ .
أيها الأصدقاءُ الحَمِيمُونَ ،
ماذا سَيبقى مِنَ الشِّعرِ يَقرأهُ الآخرُونَ عَلينا
لنُنقِذَ أرواحَنا بَغتَةً
رَيثَما يَستَردُ الخُصُومُ طَبيعتَهمْ في الكتابِ
و يَنتَحِرونْ .

***

في حضرة المليكة

كنت في حاشية المليكة
أرفع ذيل قفطانها إذا مشت، وأعدل وسادة الريش لظهرها إذا استلقت على أريكة. وما إن تنظر إلى دورق النبيذ حتى أسرع ساكباً في القدح شيئاً من الروح. أصف أمامها الأواني لكي تطال أصابعها ما تشتهي، لا أدع الكأس تفرغ، وليس للخبز أن يكون عصياً على لؤلؤها الكريم.
هكذا جلست في حاشية المليكة
ترى إلي كلما رأيت. ومن بين الجمع تشير لي كي أفتح القصر للجنود ليحملوا هودجها إلى غرفة البرج الأعلى. وما إن يرتفع الهودج برشاقة الهواء، حتى تطل من بين ستائرها المسدلة وتومئ لكي أتقدم الموكب .
هكذا تقدمت حاشية المليكة
في غرفة البرج الشامخ، تصرف الجميع وتستبقيني وحيداً، وحيداً معها. تنهض من سريرها المترف وتذهب لتحكم رتاج الباب. فرأيت المليكة تفعل شيئاً بنفسها، لا أجمل من مليكةٍ تغلق باباً لتنتخب شخصاً، ولا أجمل من أن تكون أنت هو الشخص .
هكذا مع المليكة في مكانٍ
تستدير نحو النافذة لترخي الستائر، وتقترب مني واقفاً في سكرة الذهول، أكاد أموت لدورة الدم ، دمٌ يفعل فعل الرعد في الأوردة . تقترب، تقترب، العطر الملكي ينسرب في مسام توشك على التهتك في جسدٍ يستيقظ من سباته .. أو يكاد.
تأخذ بيدي وتمشي نحو سريرها الوثير :

( اجلس )

كان الصوت قادماً من الكوكب الأحمر البعيد .
جلست .
أعني رميت بجسدٍ لم يعد لي سلطانٌ عليه، فوقع في نعومةٍ تحضن مثل الريش. جلست إلى جانبي. وضعت كفها على كتفي. تحسست كمن يوقظ الملائك. وراحت تفك أزرار القميص، ثم استدارت تنظر في ظهري العاري وتمرر أصابعها النحيلة على زغبٍ مذعورٍ.
وبدت كمن يقرأ الجسد ( كل هذي الجراح والندوب والأوسمة ؟)

ها أنا حاشيةٌ للمليكة .. وحدي .
عاري الصدر والظهر والحواس. المليكة تضع يدها على جسدٍ ممتثلٍ أليفٍ مثل ذئبٍ يرتعش لفرط الخجل. تنـقـل يـدها حيثما تشاء ، وتسأل : (من أين .. من أين ؟ )
كيف لـلـغة أن تسعف الشقي في حضرة المليكة .
أرفع عيني معتذراً عن الصمت وهي مشغولةٌ عن الجواب. يدها تقرأ جسداً كانت لي سطوةٌ عليه. تبحث عن آثار مدنٍ كانت، كمن يدرس خريطة الكنز . تستدير نحو القناني الصغيرة المصفوفة عند سريرها، تختار واحدةً ،تفتحها، وتسكب في راحتها قطراتٍ تشع وهي تغادر زجاج الدورق، ثم تمسح برحيق الكهرباء صفحة ظهري ليصبح مستسلماً لرغبة آلهة تكتب. تنتشر رائحة الجنة في فضاء الغرفة الملكية، أشعر بفرو يدها على جسدي مثل حنان الماء وعذوبة النعمة تغمر الجسد وتسحر الروح. راوحت بين المليكة والملاك، فقد كان ذهب النوم يهطل، وفضة الجسد تـفيض
كنت حاشية المليكة وكنت لا أزال .

***

خطاطون

يَتَنَاوَبُ تِسْعَةُ خَطَاطِينَ عَلى جَسَدي
بِالقَصَب الطَازِج والآيَاتِ وحِبرِ الجََنَّةِ،
يَهْتَاجُونَ كَتَاجِ الهَوْدَج فِي العُرْسِ،
ويَبْتَهِجُونَ،
وَيَفْتَرِعُونَ عَذَارَاهمْ فِيَّ عَلاَنِيَةً.
خَطَّاطُونَ أَصِحَّاءُ،
ويَخْتَبِرُونَ صُنُوفَ الخَطِّ بِعِشْقٍ مَشّحُوذِ الحَرفِ.
أَصابعُهم تَتَوتَّرُ في غَنَـجٍ من فَرْطِ الحُبِّ،
ويَخْتَرِقُونَ اللَّحْمَ،
يَكزُّونَ على عَاجِ الفِضَّةِ،
يَطْفُرُ زِئْبَقُهمْ مُخْتَلِطَاً بِالصَّهْدِ
عَلى جَسَدٍ مَرْضُوضٍ بالخَيل وشَطْحِ الخَطّ.

يَطْغُونَ بِكُحل العَين على فُودَيَّ،
ويَرْشَحُ خَمْرُ الوَجْدِ عَلى أَطْرَافِ مَحابِرهم،
ولَهُمْ رُقعٌ يَنْضَحُ مَاءُ الشَّهوَةِ فِيها،
يتَدلَّى نِصْفُ كَلام اللّهِ على ثُلْثَيِّ طَنَافِسِهم،
يَجْلُونَ الثُلثَ الأسْوَدَ
مِثلَ سُيوفِ الحَقِ الواضِحِ في جَسَدِي.
يَتَهَجَونَ الكوُفةَ والبَصّرَةَ،
ينْدَاحُونَ كَخَمْر الهَوْدَجِ،
يَخْتَارُونَ النَّاضِجَ من قَصَبِ التذكار،
ويَغْتَصِبُونَ الأبْكارَ مِنَ الكلماتِ،
فَيَنْهَضُ في جَسَدِي جيشُ النَومِ ونَرْدُ الليلِ ،
يَدُبُّ البَنْجُ الأسّودُ مثْلَ الفِتْنَة.

يَسْتَعِرُونَ،
يَزِفُّونَ عَذاراهُمْ في جَسَدٍ يَتَغَرّغرُ بالرَّغبةِ.
يَنْهالُونَ، يَخطُّونَ الخَطَّ ويَبتَهِلُونَ،
كأنَّ اللهَ يُكافِئُهم بالجَنَّةِ في جَسَدِي .
تِسْعَةُ خَطَّاطِينَ أَجِلاّءَ،
تُؤَيِّدُهمْ رُوحي بالمَحْوِ،
فَيَضّطَرِبُونََ وَيَخْتَلِطُونَ بِوَحي الحَرْفِ،
يَنِزُّونَ الدَّمَّ
ويَمْتَزِجُونَ بشفرتهم في قصبٍ مختلِجِ الأوداجِ
على جسدٍ يَشْبَقُ في لَيلِ ضَحاياهُ ،
يَكادُ المُعْجِزُ،
يَلتَهِبُ النَّصُ على أعضاءٍ خاشِعةٍ،

فتشبُّ الشَهوةُ في مَذبوحِ الرُوح ،
يَهُبُّ الخَطّاطونَ
يَلُوبُونَ بتِسعِ مَرايا موغِلةٍ في السِّرِّ،
يَفُضُّونَ الخَتْمَ عَنِ الأبوابِ التِسْعَةِ
في أشّلاءٍ خَائِفَةٍ،
وكلامُ اللّه يُزَيِّنُ بالأسّمَاءِ زُجَاجَ المِشّكَاةِ ويَحْرِسُها.
تِسْعَةُ خَطَّاطِينَ
يَذُوبُونَ لِفَرطِ الشَّطْحِ
ومَجْدِ الجَسَدِ الذَاهِبِ فِي الشِطْرَنْجِ وزَهْرِ النَّوم.

***

منذ بنات آوى

بنات آوى الجميلات، يجلسن في خديعة البهو، يؤوين الهارب والمشرد والغريب. أطوف بوهج الشهوة وقميص الأخلاط، لتطمئن لصفاتي مليكة الليل. انتظارٌ غامضٌ في عزلة الذهب وخاتمة الأحلام، وليس لليأس أن يدرك أدواتي. فبنات آوى ضالة المفؤودين وجنة الوحيد. قيل إني مبعوث النيران لجنـة الجسد. يختلط في كبدي فتوى الهجوم وشريعة الفرار. زعفرانٌ تائهٌ في قصعة الحب. تظاهرت بالذئب، فتكاسرتْ في جسدي حيوانات الغابة. والوصيفات يأوين إلى مخدعي غداة كل نص. أثيراتٌ في الأحلام تتزخرف بهن الكوابيس. فطنت لغوايتهن، فمن يجرؤ على تفادي شهوة المستذئبات، بطرت بمائهن الخفي وأججت بثلجتهن مكامن النساء الوقورات، وتمرغت في انتظار الأجنة تتخلق في طين الله مثل كمأةٍ باسلة. كنت القدم العارية كنت شظية القلب الضاري كنت مسمار الباب مارقاً زهرة الصدر كنت أسئلة الكهرباء كنت نحيب الأبجدية كنت ميراث الكتب كنت شظف الخبز في العائلة كنت الحديد فاضح الليل كنت عاج العفة تقية التجديف كنت الشهوة الخفيفة كنت التميمة وصمت الناس كنت الدمث كنت في وحشٍ وفي أليفٍ كنت النوم في هزيعه الأثير كنت أستجير من المخلب بالناب كنت أشعل قنديل البيت لئلا تطيش بغتة الصديق كنت أصقل الرسغين بمعدن الحرس كنت أستفز يقظة العدو كنت أدعـك الكعب بفرو الخيل كنت أفرز النحر لشفرة النصل كنت أمشي في لزجٍ ومائعٍ ومتهدلٍ ورجراجٍ كنت أضرم في هشيمٍ وأحرث في ملحٍ كنت أرفع قدمي من شركٍ وأضعهما في فخ وأنتقل وأنداح وأتبادل وأتحول وأحتال وأنجو وأموت وأتعافى وأختلج وأفطس وأفترس وأفنى وأبوح وأنجرف وأخلد وأمرض وأتماثل وأبرأ وأتماهى وأتبـدى وأغمض وأتوضح وأتبذل وأتعفف وأفجر وأفتض وأفترع وأستفحل وأنتفض وأنتمي وأنفصل وأتقاطع وأعترض وأتحاجز وأنهار وأجرؤ وأخاف وأعوي وأستذئب وأألف وأنفر وأستفرد وأستجير وأبوح وأنوح وأنتحب وأصيح وأصرخ وأبكي وأهذي وأهذي وأضرب وأحترب وينال مني فأهتف وأنخطف وينال مني فأهذي وأهذي وينال مني أهذي وينال مني أهذي وينال مني وينال مني وينال ينال ينال
وها أنا أحصي الجراء وأداعبها متوهماً أنها انتصاراتي .
بنات آوى المتماريات، يتقمصن العفة ويظهرن سكينةً يفزع لها القلب ،لكي يحسن المارة التدلـه بهن. بينهن وبين الحيوان شبهة الدواجن وشهية البذخ.
أصابني ما ينتاب الذئب في حضرة المليكة :
دهشةٌ في الشرايين،
بهجةٌ في غرفة الذاكرة،
واستحواذٌ مثل سحرٍ يذهب بالضحية.
من الماكث في سرير المشبوقة وهي تذرع المسافة بين النوم والمـلاك، من الصارم باسل الجسد بهي السمت يغزو ويغتر، فيختلط على التائه ماء الأفق بزئبق السراب. وضعت أعضائي في اللذة الضارية وتبذلت للبراثن ظناً أنها الحرير. تقدمت كتيبة الفرسان كي أفوز بوردة المليكة، وبنات آوى وصيفاتٌ يطلقن مراياهن ورائي، فيما كنت أقتحم الحصار مدججاً بمشاعر القتلى، تنتخبني سفيرة الذئاب وتمنح المعدن شهوة الطلق والقذيفة. شخصٌ مثلي، استفردت به الكتب وشغف به الهذيان، لا ينجو من خديعة البهو الزاخر بالليل. طاردني حرس الخالق منذ الكتاب الأول منذ أروقة المكتبات المعتمة منذ الغرف الموصدة منذ أكثر المخلوقات جمالا وجهامةً ومهاجمةً منذ الكرسي والمائدة منذ الماء في مكانه منذ فبراير الثلجي منذ آب الأخير منذ الاستجواب المؤجل منذ بنات آوى منذ الأصدقاء منذ أقاصي امرأةٍ في انتظارها منذ باب المغامرة منذ شهقة النهد والنمر ونعاس الآلهة من شظايا القدم المذعورة منذ النوم والموت والكوابيس منذ القلب والقيامة منذ شكل الكلام منذ خدم العبيد منذ الجنس في الخلايا منذ الحديد والذهب منذ غيظ الهذيان منذ الوحيد وحده منذ أن هذيت وانتهيت منذ نالني الهوى ونلت ما بغيت.
طاردني الخالق والمخلوق، حتى وصلت منهك العضل فائض الجزع واضعاً جسدي في شرفة الشنق مكتشفاً أنني لم أذهب طول هذا الليل أبعد من حياةٍ مليئةٍ باللبونات. بنات آوى، وصيفات ذئبة الملوك، بنات آوى بهياتٌ جميلات الطلعة، يدخلن علي ويأوين عندي ويفزعنني ويفطرن قلبي مخدوعاً بهن منقباتٍ بفروة الذهب، فأظن أنهن قناديل السهرة وقناني الخمرة الشريفة، يمنحها لجسدي حارس النبيذ وحاجب الغرفة الملكية .
لم يكن إلا أن أصدق ليل السرد ليغمر أخلاطي في توتر القوس، أهجو مغامرة النحل مادحاً زفير العسل .
لماذا الآن فقط تفتحون في وجهي الكتب وتندفعون نحوي، كما لو أنني القتيل الوحيد مرتداً في حضرة الدم. تتصاعد الرائحة الزكية من قرمز الروح كلما تدفق وحل المرافعات، تنصبون قضاتكم ومحاكمكم المبجلة، وأكون قد أكملت سخريتي من النطق السامي .
لستم أقل توغلاً في الدم . أنا من أعطى جسده لبهجة الكشف، وأعلن ذلك جهراً كأنه يضاهي جنة الأوج، كنتم تنسجون الشراك في عتمة البهو، وتدفعون بأحفادي في ليلٍ مؤثثٍ بالوحشة، حيث القبر لا يتسع لأكثر من فريسةٍ واحدةٍ وجنازةٍ راكضةٍ في سريرها الأخير. فــر بي الشك من نحيب آكلي لحوم البشر.

الآن تأتون لتبذلوا مراثيكم.
الآن تدركون آثار دمي وتطلقون على جثماني نشيد المذلـة.
الآن، تسمون لكل صاريةٍ مرفأ، وترشحون أحلامي لحشراتكم النحاسية.
الآن.
كيف تنقذون مـأتماً بمعدن الذبيحة، تتفادون حريق السفن منتظرةً مرصودةً بكلاب البحر، تقفز، وتحرس السواحل.
قيل لي ذات سفرٍ : نعـلمك الغرق قبل البحر .
وكنت أطفر في زئبق الحلم. أرى إلى البحر،
أغادره، لأعود إليه بوهم النزهة .

مرثاةٌ ماثلةٌ،
فيما تتكدسون في براءة الثعالب وصلافة الضباع.
لست إلا شبحاً تائهاً.
كابرت لئلا أبدو في صورة العراف الأعمى. الآن يحلو لكم أن تطرحوا صوت الجبانات. تباهون بالكوابيس والكوارث التي تغرغر بها جسدي الليل كلـه.
آن لكم أن تصعدوا بأبصاركم أكثر فأكثر.
أطلع من السهوب في قطيعٍ من الوعول
معلناً أنها انتقاماتي.
أعتزلكم، مثل رعيةٍ تفقد مليكها دون ندم .

***

ظلامٌ عليك أيها الجبل

كان الجبلُ في أحداقنا
يَنقُلُ أقدامَه الزجاجية من حلم في هيبة البحر
إلى حلم في أبّهة النخيل.

ذهبْنا لشَحذ أعضاءنا بأسنانه
بصلافة صُخوره وغَدر نتوءاته
فيما هو منشغلٌ بصقل شظاياه
مباهياً بهيبة مراثيه وبراثنه الباسلة

رعاياه
نَزِنُ به أحلامَنا كأنَّه معدنُ الوقت
يَكنِزُ نعمتَه في غيومٍ غامضةٍ
مبذولةٍ لتَرف المكائد
تتماهى في خلاعة الأشكال
وتشفُّ عن الماء اليابس.

قمصاننا تُشِْيعُ الفتنةَ لجسدين في لَذةِ السَفَر
نَغفلُ عن خيوطها المشاعة فنخسر قناديلَ الطريق
مثل نجومٍ مُدلاّةٍ في تجاعيد الوحشة
تظن أنها السماء .

جبلٌ يخبُّ في جبّته الموشّاة بأحداق ثملةٍ
وأهدابٍ فَضَّةٍ
تَرصُدُ رعيةً في وحشةِ السُفوح
نحن رعاياهُ المستوحشون
تنالنا جهامةُ الليل.
شعبٌ يَستفردُ به حجرٌ كئيبٌ محمولٌ على المناكب
غاباتُه مكتظة بيقظة الحواس

تَزعُم أنها ثمالةُ حنيننا الموصول بعدالة المطر
ما إنْ نغفل حتى تغدر الشباكُ بشعبٍ يشطّ
يرشده أدلاّءُ يعرّيهم الجبل بكمائنه
ويفضح خطواتَهم بالكواسر
ما إنْ نغفل حتى تطيش جمرةُ الغابة
لفرط النَطْرَة وضغائن الفصول

رعايا نحن
نَعُقُّ عن هيبة الجبل
ونُزَخرفُ جسدَهُ بمرايا مشروخةٍ
تَفضحُ خِرقاً مزقتها مواكبُ الجنازات
واندلاعُ النيازك اليائسة.
رعايا
نرفع أسمالَنا رايةً في طليعة النص
فتخرُّ الخرائطُ مهتوكةً بصراحة الكذب.
نعرف في الحَجَر ذريعةَ الطريق
تأخذ أقدامُنا بهجةَ المسافة
وطبيعة السفر
كأنَّ الماءَ في المنحنى
كأن شجرةَ الغابة تقويمُنا لندركَ خاتمةَ السرد
كأنَّ زفيرَ المآتمِ سأمُنا الأخير لتفادي سَردَ القرابين
كأنَّ بريدَ القُرى المستباحة بلاغةُ المدينة
تميمتُها لتدارك فضيحةَ التَهتكِ في حضرة القتل
نَعُقُّ مثلَ رعيةٍ تَفقُدُ حريةَ النوم

نقول للجبل : غيّر غُيومَكَ
هيئ ضريحَكَ
وافتح ألوانَكَ على الناس

نقول له: ظلامٌ عليكَ أيها الجبل
ولكَ قوسُنا الشاهقُ .. سرادق الأفق

نقول له : سئمنا سيداً يَسكتُ عن أحفاده
ويُطْلقُ لأسلافِه سَطوةَ الندم
جبلٌ ينهرُ أحلامَنا ويَشِي بنا في محفل الصيارفة
يقودنا بأدلاّئه المذعورين
ويعتذر عن أجمل أخطائنا أمام قناصل الدول
ومبعوثي الجيوش
نقول للجبل :
الجبالُ تَرْحَلُ أيضاً .

***

مـرارات

مَرَرنا بهم
أسرى مثل أقفاصٍ تَحرسُ الأجنحة
يذودون عن أرواحهم بالمرارات
تحت آباطهم مفاتيحٌ تَصدأ
وفي أحداقهم ما يُشْبُه القناديل
ضَوءٌ شاحبٌ في عاصفة
لجوعهم أنينٌ مثل جوقة الكهنة
نسمع حَـكَّ الحديدِ في أخماصِ أقدامِهم

مَرَرنا بهم
فانتابنا زَفيرُ المجامر
لهم رائحةُ الزَبَدِ الطائشِ من أشداق الخيول
مَجْدُولُو الذوائبِ
تتدلى على أكتافهم صَنْاجاتٌ تَطردُ ذَرِيعَة الفرار
يَضَعُونَ ذاكرتَهم في رمادٍ باردٍ
وبين أيديهم كتبٌ تتضرعُ لشجاعة الصلاة.
كلما قامَ منهم شَخصٌ تساقَطَتْ أعضاؤُه
مثل شجرةٍ تَسْبقُ الخريف
ظهورُهم مَوشُومَةٌ بأشكالِ الساعات
بعقارب تَرصُدُ المواقعَ وتَحرُسُ المُدنْ

مررنا بهم
يَشْخَصُونَ إلينا بأحداقٍ تَطلَعُ منها طيورٌ عمياء
نَكسُرُ في وجوههم الشمسَ بالمرايا
فلا يَرُفُّ لهم جَفنٌ ولا تَتَهَدّلُ أهدابُهم
يَتَفَصّدُ الرُخامُ من مُقَلِهمْ

ويَنْبَثِقُ كأنَّه الحُمَمْ
كلما ظَننا لَهُمْ شَكلاً
طاحَ قِناعٌ لنُدرِكَ قِناعاً آخرَ خلفه.

مررنا بهم
نَحمُلُ المَديحَ الفادحَ
فإذا بالمراثي تَقْصُرُ عن وَصْفِهمْ
مُصابُونَ باحْتدام الجيوشِ تَحتَ جُلودِهم
دُونَ أنْ تَكُفَّ دورةُ الدمِ في الزجاج

مررنا بهم
صَرْعى صِراعاتِهم
زَرَعُوا أشلاءَهم بزَهرةِ الكباريت
فَلَمْ يُدركوا غَيرَ براثنَ الجليد
تَنغَرِسُ في عاجِِهمِ العاري.

انْتَهَبُوا خريطةَ الناس
واقْتَتَلُوا عند اقتسام الأسلاب
جَدِيرُونَ بما يَجْعَلُ الرحيلَ تحيةَ البحر
وقَلقَ السُفنِ وقِلادةَ المسافرين.
جديرون
والوقتُ وَشْمٌ على مِيزانِهم
ومن أضلاعهم يأخذُ الإسطرلابُ أشكالَهُ الغامضة.

مررنا بهم
يَعبّونَ طُحلباً فاسداً من قَصَعاتِهم
ويَسُفّونَ الرملَ بلهفة العطش
يَتَحاجَزُونَ بِمُهَجِ الناس
ويتَقاذَفُونَ بالمَواعِينْ
نَطرَحُ الأسئلةَ عليهم

فتَفُوحُ من أفواهَهَم الأبخرةُ
ويَطْفُرُ الكلامُ بِلا دلالة ولا معنى
وكلما اقتربنا من بياضِ أحداقهِم
صَفَعَتْنا أجنحَةٌ بلهاء
تَطرِدُ الهواءَ لِئلا يُوقِظَ طبيعةَ الطير.

مررنا بهم
مثلما تَمُرُ الثَواكلُ على قبورِ المفقودين
ليسوا من القتلى
و لا يَصُدّونَ اللوعةَ عن أفئدةِ النساء
مررنا بهم
نفضحهم بذاكرة المستحيل
جَمَعنَا لهم القَرائِنَ كي يَكُفّوا عن الموت
مَدَحْنَا لهم الغيابَ بفَصاحَةِ الصَمتْ
كي يُدرِكُوا الفَرْقَ بينَ القَواميسِ وقَناديلِ الطريق
فَلَمْ يلتَفِتُوا ولم يُصغوا لِوَقعِ مُرُورِنا الصاخب

كُـتُبُنا تَتَشَبَثُ بأخبارِهم
وهُمْ يَتَقَفّصُونَ على أنفاسِهم الأخيرة.

***

فهداً .. فهداً

ألَسْنا مَنْ رَصَّ بأكتافِه الأحجارَ
لتَنشَأَ الجسورُ
ورَصَّعَ الطينَ و الجصَّ بالأكفّ المُرتعشة
ومَنَحَ السُورَ متانةً تَحمِي دُورِنا العطشى
بالعُتمة ورُطوبةِ الحّبْس.
ألَمْ نفتحَ لهم الشواطئَ
يَصُفُّونَ فيها سُفنَهم الطويلةِ
ألَمْ نرسمَ لهم النخلَ
أصطبلاتٍ وثيرة
يَنْسُلُونَ فيها من صافناتَهمْ الـمُصِنّاتْ
نَجائِبَ الخيل
نبني لصَيفِهم المُترَفِ أسرّةَ السَعف وصَبْرَ الحقول
ينامونَ في أحلامهم ليَصِلَ إلينا شَخيرُهمْ الفَجّ
شَخيرٌ يُذْعِرُ أطفالَنا ويُفَزّزهُم من اليقظة
ألَسْنا مَنْ ظَنَّ أنَّهم الضُيوفُ الطارئون
يَعبُرونَ مثلَ الطرائدِ
قافلةٌ في رحيلٍ متواصلٍ
نَظُنُّ أنَّهم مأخوذُونَ بالأرضِ لِفَرطِ الصحراء
نتبادَلُ معهم رأفةَ القاطنِ بتعَبِ السَفَر
فنضَعُ لهم البيتَ في الوليمةِ
نَبسُطُ لهم النَطْعَ
نُدِيرُ الطَشْتَ لهم
ونَقِفُ عليهم
نَغْسِلُ أجسادَهُم من المِلح و الغُبار
ونَحُكُّ عن أطرافهم الأصدافَ و الحراشِفَ
ونقولُ لهم عن الطريق والطريدة
فنُدرِكُ أنَّهم يعرفونَها أكثرَ منا
قُلنا لَهُمْ أنْ يَضَعُوا أطرافَهم المغدورة

في حنانِ النخل
ويَرشُفوا أعذبَ الماء في المواعينِ المصقولةِ بكواحِلنا
فَتَحنَا لهم فيزياءَ الشُرفَةَ
قَبِلنا بِهمْ يَقْتَسِمُونَ معنا الظِلَ وقَرينَه
الشِباكَ وفَهرسَ الأسماك
وعَلَّمناهُم، حتى الأحفادِ ،
كيف يتَهَجَونَ التاريخَ وهو يَتَفَصَّدُ
في الكتبِ و منعطفاتِ الليل

ربيناهُم فهداً فهدآً
مَزَجْنا سَوادَ شِطرَنَجهَم بأحداقنا الساهرة
لتَزهُو الرَقْطَةُ في فَرْوِهِم الكثيفْ
ويأخُذُ كُلٌّ منهم قِسْطَهُ من الماء و السَكِينَةِ
وافِراً.. وافِراً

ربيناهُم فهداً فهداً
لكي يتلفتَ الضَئيلُ منهم
نحو أكثرنا اطمئناناً
ويَنشُبُ فيه المخالبَ و الأنياب

فهداً فهداً
كنا نظنَّ أن الوحشَ
هو الحيوان فحسب.

***

حكمة النساء

أجهشت النساءُ المغدورات برجالهنَّ
و أوشكَ الجَزعُ أن يبلغَ بهنّ
ليرمينَ خواتمهنَّ في وجوهِ الرجال
لكنهنَّ استدركنَّ فأمسكنَّ عن الخَلعْ
واستدرنَ نحو دُورِهنَّ
يَدْهَنَّ الأسرَّةَ بالتوابلِ
ويؤجّجنَ القناديلَ بزعفرانِ السهرة
و يذهبنَ في استجواب المرايا
يشحذنَ َ أسماءَ عشاقهنَ بالأكباد،
وكان في ذلك حكمة.

سألتْ امرأةٌ
وهي تشقُّ القمصانَ من كل جانب،
لماذا لا تُطلقُ الغابةُ كائناتَها فصلاً واحداً
تمتحنُ بها طبيعةَ النساءِ المغدورات
رهيناتِ الوَحشَةِ في الغُرفِ الشاسعة
مثل شتاء الغربة؟
سألتْ امرأةٌ ، محسورةُ الروحِ ،
وكانَ في ذلك حكمة .

أخذتْ امرأةٌ عدّةَ زوجِها
وبدأتْ في كسرِ أرتاجِ الأبوابِ
وخلعِ النوافذ بستائرها المسدلة،
فتحتْ ثغراتِ الفضاءِ في جوانب الدار
وسمحتْ لشمسِ الليلِ أن تسهرِ في البهو
وللنجوم أن تحرسَ المداخل

لئلا يستوحشَ كائنُ في الظلامْ.

كانتْ تلكَ مبادرةٌ باسلةٌ
استيقظتْ بها أحجارُ الغابةِ
ونهضتْ لها شكيمةُ المبارزات.
لم تكنْ المرأةُ وحيدةً في شهوةِ الشُغلِ ،
وكانَ في ذلك حكمة .

سحبتْ امرأةٌ سريرَها المشبوقِ نحو حوشِ الدارِ
و أطلقتْ وحشَ الأساطير في بَخورِ الأرجاءِ
ثم طَفَقَتْ في الأغنية.
كانتْ جوقةُ الملائكةِ معها
و مجامرُ العنبرِ معها
ومعها قندةُ الليلِ تَحرسُ السهرةَ
فطابَ لها أنْ تقترنَ بالهواء،
وكان في ذلك حكمة .

أخرجتْ امرأةٌ صندوقَ عُرسِها
المكتظ برسائل الحب
وراحتْ تتلو أجملِ الكلام
كَمَنْ يقرأُ التعاويذَ في مُحرابْ.
فأخذَ المارةُ يتقاطرونَ حولها
مأخوذينَ بكلامِ الأكبادِ
وكانتْ المرأةُ ملتذّةً كأنَّها في الحُبِ
وشبحُ الشَخصِ ماثلٌ في الذاكرةْ.

طفقت الريحُ تمدحُ الكلامَ
كمن يوقظُ الفتنةْ ،
وكان في ذلك حكمة.

حَلّتْ سيدةُ البيتِ شَعرَها
وبدأتْ تغزلُ به حجاباً غامضاً

يغلبُ القاطنَ المستقرْ
ويُغري الرأسَ بوسائل السفرْ.

بكتْ معها غريزةُ الغريب
وبكتْ عليها حكمةُ القلب
فاحتدمَ حشدٌ من كائنات اللذة
يؤلفنّ الكتبَ
و يؤثثنَ الطبيعةَ بالأسرار،
و كانَ في ذلك حكمة.

نساءٌ مغدوراتٍ برجالهنَّ
يَغدرنَ بهمْ ،
ويكشفنَ لهمْ ذريعةَ الفتنة،
كأنَّ في ذلك حكمة .

***

ما لا يسمى

عندما أسمُكَ في طريق
ورأسُكَ في طريقٍ أخرى
تَتَقَهقَرُ بِشَهوَتِكَ إلى عَتْمة الأزقة
نحو خزائن التجربة
لتسعف الرجفة الخفية
رعشة مسوّرة باحتدام الجموع
وهي تتخطّفك
مستصرخاً ذاكرة الشِراك
من أين إلى أين ؟

تضع لاسْمِكَ الأسبابَ
لتذهبَ بكَ في مسارب رؤوسٍ محتدمةٍ
تضطرمُ بحرائق الطريق
تضعُ له ما يُسْعِفُ الشارعَ بالحَجر العتيق
بأشلاء رغبات تنطفئ في صراحة الشمس
تضع له رأسك المكنوزة بخبرة الخرائط
وشهوة العمل
تضع لاسمك زهرة الرأس
كمن يبذل وردته على جنازته

عندما سُبلكَ أكثر من أقدامك
وأسلحتك في مزاد السماسرة
يفيض رأسك بزادٍ يكفيك
ويصونك من مائدة مثقوبة بفاكهة تفسد
لفرط الأسلاف

ينالها العطبُ ويطفح بها التفسير
تتقهقر مطأطئ الرأس
نحو غبار المخطوطات
في تاريخ الجسد ووحشة الروح
تنحدر بك حشود الشارع في ليل واضح
في ذبائح مهدورة
في ماء قديم يأسن
في ذخيرة مبتلّة بزفير التجربة
في غفلة البصيرة وكسل المخيلة
تنحدر
ورأسك كنيسة النوم

عندما رمادك يبرد
تكـرُّ عليه ضباعُ المستنقعات
يُسمِّيكَ ما لا يسمى
تسألُ ضميركَ صراحةَ الهواء
وأنت خَدِينُ الخذلان

يشدّك حشدُ الشارع
مأسوراً بقديم الجراح
فيطيش عليك فيضُ الأساطير
تطير في وجهك غربان الغابات
يغطِّيك كرادلةُ الكهوف
بأوشحة كثيفة كتعاويذ الوهم
يَغُرُّونَكَ
يُغوُونكَ بجنّةٍ تَنْجُو منها

عندما تنسى
يسمِّيك ما لا يسمى
سيف النسيان عندما تنسى
تحت قميصك المليكُ في حريته
تحته الطيور والأجنحة
وها أنت تفقد المعدنَ الخفيفَ
تفقد حريةَ الهواء
كأنكَ تفقدَ النصَّ
تنسى أنك رأسُ الهجوم
في جيشٍ يقهر الكتبَ وهي تنسى
تطير بأجنحتك في هواءٍ فارهٍ

لماذا رأيتَ في أدلاّءِ التيهِ نجمةَ المنعطف
وفيهم مَنْ يَشْحَذُ ضوارِيهِ في النَّحْرِ
ممعناً في براءةِ أخبارك
لماذا رأيتَ في مغاراتهم آباطَ الدفء
وفي زَرَدِ خِطابِهم الفَجِّ حَرِيرِ الحنانِ المفقود
لماذا . مثلَ طفلٍ
تلعبُ به غريزةُ اللهو ، يُخَبّئُ النارَ في ثوبِه
لماذا وضعتَ رأسَكَ الناضجةَ
في خدمةِ الاسم المُغْتَرّ بسمتِه
مأخوذاً بعناقات تهيّجُ الجموعَ
متجرعاً شجاعةَ البرزخ
بينَ أن تكونَ عدواً ماثلاً
أو خصماً في الظَنْ
لماذا . عندما رأسُكَ ضحيةُ اسمٍ يتلاشى
في ظهيرة ليلٍ يتظاهَرُ بطبيعةِ النهار
امْتَدَّ بكَ الحُلمُ في يدينِ مغلُولَتَينْ
لماذا عندما نَهَضْنا بِكَ

تُريدُ أنْ تُجهِضَ زَهرةَ يأسِنا
وتُرَشحَ حَيزومَ سفينتِنا المكتنزةِ
لصخرةِ الجبل

ماذا تَعرفُ عنا
بذلنا لك جنونَ القلب
لئلا ينتابَكَ ما لا يُسمّى
وقُلنا لك هذا القلبُ لكَ

حِصْنٌ يَصُونُكَ
فاشَمخْ به
يَتَمَجّدُ بكَ و يَنْهَضْ.

***

الأسماء

سَمَّينا نساءَنا المنكسرات وراءَ المُهودِ الشاغِرَةِ
المستعاداتِ من سُلالَةِ الحروب
حارسات الأحلام
لئلا يذهبُ ليلنا وحيداً بلا رسائل
و لا أجنحة

سَمَّينا لهُنّ الأسماءَ
وعزّينا حسرتَنا بصخرة المنعطف

وحيدات
لهنّ أصابع تُحْسِنُ القَبضَ على قناديلِ السهرة
فلا يعودُ لليل قرينةٌ للغدر
ولا عذرٌ للضغينة

نساءٌ يَرسِمنَ لكل مَهْدٍ غيمةً من النوارس
حتى يُوشُكُ الموجُ على تبادلِ الصِفاتِ مع السُفن
و البياضِ الشاهق
لتنبعثَ من ريشِ الوسائد لثغةُ الطفولة
وهي تنشأ في سُلالةٍ تبتكر النشيد
لنسائنا طبيعةُ الجلاميد
يعْلِنَّ فضيحةَ الجبلِ
يَقتلنَ الوهمَ وقرينَه
فيتولّـهُ بِهُنَّ الرجالُ مفتولو الأحلام

نساءٌ
يَعْبُرنَ ليلاً مخذولاً بذرائعَ تَقْصُرُ عن النوم
النساءُ اللواتي يَتَجَلَّلنّ بانكساراتهن
ويَصِفْنَ للرجالِ الكتبَ والتآويلَ وزهرَ الليل
يتناسَلنَ في أرجوحةِ المَهد
وهو يتصاعدُ في بخارٍ و في تمائمْ

يُطْلِقنَ الشَهقَةَ في هامشِ الليل
ونَشِيد الجَسَد
فيخرجُ الأطفالُ نُطَفاً في ماءِ الطَيْف
مَمْهُورِينَ برغَباتٍ صريحةٍ و باكِرة

نساؤنا
دَرْسُ البحرِ
وهو يرى المراكبَ تتقاطَرُ مَشْحونَةً بالطِيبِ و البَهارْ
فينتابُه الفَرحُ
ويَلُذُّ له دَفعُ أحجار الموانئ
لكي يَتَسِعَ الأفقُ أمامَ النشيد بلثغتهِ الفاتنة
وأجسادِه المشبوقة .

***

حصتنا في النساء

تَجتاحُنا صَرخَةُ المرأةِ في مَخاضِها
مثلَ كلامِ الأعاصير
المرأةُ التي أمْضَينا العُمرَ في خِدَمتِها
ونَسِينا تأنِيبها الفادح
رأينا في سريرِها جَنَّةَ التحولات

صَريخٌ يَسِبقُ الأنبياءَ ويتبَعُ الآلهة
مَنْ يُصغِي له ويذهبُ إلى النوم
من لديه امرأةٌ نبيلةٌ مثلَ سيدتنا
يتصاعدُ مخاضُها في بخار الأضرحة
تَجِسُّ العناصِرَ و مناجِمَ الروح
وتَتَجاسَرُ مثلَ نَمِرَةٍ تَلِدُ النُمُورَ الغَضّة
وتَذُودُ عنْها مثلَ تاجِ الهيكل

تَـزوَجنا لأجلها خطواتَ النهر
و سمّينا أحجاره المصقولة حريرَ العمل
تَزَوَّجْنَا عَشِيقاتَنا قبل أوانِهنَّّ
وبّذّرنا في فاكهتهِنَّ الفَجّة أجملَ الأجنّة
مَزَجْنا بِزعفَرانِ أخبارِنا تَوابِلَهُنَّ النَفّاذّة
وها هُـنَّ يَتَصاعَدْنَ
في مخاضٍ يَمْتَحِنُ السَيّدة

امرأتُنا مليكَةُ الوِلادات
يَنتابُنا مَخاضُها مثلَ نُمورٍ في المَهدِ
تحتَ غِلالاتٍ مَسْدُولةٍ منذ الخَلقْ .

صَرِيخُ آلهَةٍ تَلِدْ ،
سيدتُنا المُزدَانَةُ بفِتنَةِ الذَهبِ في ليلٍ يَمُوتْ،
نحنُ الذين بَذلنا لها نِعمَةَ البحر
غُصْنا نحو هَداياهُ الخَبِيئَةِ
في مَحارٍ مَحْرُوسٍ بماءِ الرَغْبَةِ ،
يَتَحصّنُ بِزَرَدِ الأقاصِي .
نمدُّ له اليدَ فينالُ الذراعَ حتى الكتف

فنمسكُ الهدايا بالنواجذ
بذلنا الجسدَ يأكل منه المِلحُ وصلافةُ الحِبال
وحنانِ الجُوع بأحلامِه العَلِيلَة.

لماذا ينبغي أن يطيشَ بنا الجنونُ
لكي نعرفَ أسرارَ المعنى في قديمِ الكتبِ
نتدافعُ مترنحينَ في تَجربةِ السَفَر
نستحضرُ مختبرات اللغة،
تمتحننا القواميسُ ،
لكي نقرأ كلاماً في ظلامِ الذاكرة .

لماذا ، ونحنُ نطأُ الجمرَ،
نهتدي بمصابيح مطفأة ؟

امتحانٌ لنا،
نَحِزمُ المدينةَ بنخلٍ
حرثنا له الطينَ بعاجِ عظامنا
ليفيضَ بطلعٍ يقطر الدمَ
ويصبغُ الممرات الطرية لأطفالنا،
فيأخذونَ درسَ اليأسِ بقوة.

امتحانٌ لنا،
نحبُ سيدتَنا إلى هذا الحدْ
فنصاب بمخاضها الملكي
بصراخها، أجراس النحاس الخائف
صراخ ينشأ قبل الحديد و الذهب
صراخٌ يمزِقُ استسلامَنا
وتثاؤبَ صلاتِنا في ليلِ النسيان،
ينتشِلُنا من الآبار
فتتصلّبُ عضلاتُ أعناقِنا مَنْتُورَةً ،
كمَنْ مَسَّتْ جُثمانَهُ مُعجزةُ الآلهةِ قُبيلَ اللحدْ.

نعمَةٌ أنَّ في الثُمالَةِ ما يُضاعِفُ مَرَضَنا
بِعُشقِ النساءِ البعيدات
لئلا يُقالَ إن سيدةَ الأعالي
تَقْصُرُ عن أطفالِها المصابينَ برُهابِ السُفُوحِ
عندما يَحِينُ وقتُ الصواري
ونشرُ الأشرِعَةَ في بَعِيدِ البِحار .

نِعْمَةٌ،
ونحنُ في برزخِ اليأسِ والأمل
لم يبقَ لنا في قَصْعَةِ الحياةِ
غَيرُ غُسَالَةُ المَنادِيلِ بعدَ وداعٍ شَامِخٍ
فحينَ تَفرَغُ المرأةُ من مخاضِها
تِدُبّ رَعشَةُ الماءِ في عِظامِنا المُنْهَكةِ
وتَفِيضُ الأقداحُ بأرواحِنا الطاعِنَة في السفَر .

المرأةُ ذاتُها،
سيدتُنا النبيلة،
تَصُونُ حِصَتَنا في قَصيدةِ النساء .

و إذا كانَ فينا من لَـهَى وبالَـغَ في النسيان
أو تَباطَر َبشَهوَةِ المُكابَرة
أو بادَرَ بالموت ،
فذلكَ من طبيعةِ النومِ في سريرِ الكوابيس.

غير أنَّ المرأةَ،
المرأةُ ذاتُها
سيدتُنا، نبيلةُ الخِصْال،
سوف تَغفِرُ شَطَطَ بعضِنا
وتُشَرِّعُ رَحابَةَ إيوانَها لبعضِنا
وتمنحُ البعضَ الآخر شهوةَ النسيان.

تلك هي نعمةُ العملِ في خدمةِ السيدة
تلك هي نعمةُ المخاضِ الأعظم ،
عندما تَرْفُلُ المَرأةُ في فَصاحَتِها
تُؤَثِثُ أيامَنا بالقصيدة
وتَجعَلُ التآويلَ في خدمَةِ النَّصِ
المكتظِ بالرموز والأساطير.

فلتُصغُوا لها،
سيدتُنا المُضَمَّخَةُ، في مخاضِها الأعظم،
بقناديل أشعارِنا،
يَعْلُو صِراخَها فتنثالُ النيازِكُ
في بهو النَدم الباكر

تشهقُ أرواحُنا في شُرفةِ صراخٍ جارحٍ
وترتد سهامٌ كانتْ في طريقها لحشاشَتِنا .

فتلصغوا لها،
مطهمةً بعُرسِها ومخاضِها في آنْ
تبذل ذهبَها القديم للقابلةِ و وَصِيفةِ العُرس
كأنَّ هزيمُ رعدِها هَدْهَدَةُ مَهدِنا الوثير
كأنها، وهي في وَهْجِ ولادتِها لنا،
تَلِدُنا وتُولَدُ فينا،
كمن ينقلُ خاتمَ العُرسِ مِنْ إصبعه
ليضَعَهُ في الأصابع الفَتِيةِ كلها .

نحن الأصابعُ المتشنّجَةُ بحديدِ سريرها
سيدتُنا جميلةُ الخِصالِ
يَهْتَزُ بنا هَوْدَجُ مَخاضِها الأعظم
تلدنا و تُولدُ فينا
حصتنا في قصيدةِ النساء.

***

رقصة الذئب

انتظرْ
سهرةُ الأصدقاء انتهتْ
وانتهى فيلقُ الندماءِ
الذينَ استداروا على كأسِهم
يَخْلُطُونْ
يا قرينَ الجنونْ
انتظرْ ريثما نستردُ التآويلِ في نَصّنا
عَلّنا
نتداركُ أخطاءَنا الصائِبةْ

ثمة التائبونَ عن النَصّ
يُسْدُونَ نُصْحَاً لنا
بالرؤى الغائبة

فانتظرْ
إنهم يَصْقُلُونَ التَفاسِيرَ
يُفْتُونَ أنَ النَبيذَ القديمَ سَيفْدَحُ أقداحَهم
يَسْكَرُونَ، انتقاماً، بأخبارِنا
ويَدّافَعُونَ ويَمْحُونَ آثارَنا خَشْيةً
فانتظرْ
نَصّكَ الآن رِهْنَ امتحاناتهم
مثلما تُخْلَطُ الأشْرِبَة
رُبَما يَمْزِجُونَ الخَرائِطَ بالليل
يخْتَبِرُونَ العناصِرَ بالنوم
يَهْتَزُّ مِيزانُـهمْ
كلما تَعَفَّفْتَ عَنْ مأدبة

يَعْبِثُ الأصدقاءُ
و ينتابُهم ذُعْرُهمْ
كلما تَمادَيتَ في التجربة

بالغَ الأصدقاءُ بأسمالِهم
فانتظرْ
لا تَنَمْ خارجَ الحُلم
تَنْدَمُ حِيناً
ويَنْفَضُّ عن جُرحِكَ النُدَماءُ
ويَسْتَفْرِدُونَكَ في سَهْرةٍ مُسْرِعَه
فانتظرْ
وانتظرْ
لا تَدَعْ كأسَكَ المُتْرَعة

ساعةُ الأصدقاءِ انتهتْ !؟
فليكنْ
لم يزلْ زَيتُ قِندِيلك المُنتَخبْ
يَسْتَفِزُ الغَضَبْ
فليكنْ
يأسُكَ المعدنيّ انْدلاعٌ غَريبٌ
يَشُكُّ ويَفتَحُ أسئلةً في يَقِينِ الذَهبْ

فانتظرْ
عند مُنْعَطَفٍ فاضِحٍ
تَفقِدُ الأصدقاءَ ودِهْشَتَهم
مثلما يَفْقِدُ الذِئبُ عُزلَتَه المُشْرَعة

عندما يمدَحُونَ انطفاءَاتهم
تَنْدِلعْ
فانتظرْ ، وانتظرْ وانتظرْ
لا تَدَعْ كأسَكَ المُتْرَعَة.

***

ذئبٌ جائع
يتعفَّفُ عن الجثث

1

الظلامُ يقِفُ هناك
وأنتَ تتعثَّرُ بحَجرٍ ناشِزٍ
في رصيف خّبّازٍ يَنْعِي تَنوراً مُوحِشاً
كيف يمكن احتمال خبازٍ يرثي تَنُورَه
في شِتاءٍ حَزينٍ لفَرْطِ الطَحِينِ الغائب؟
بينَ أن تَختَبِرَ الجوعَ بأمعائِكَ
وخمسينَ كتاباً عن القَمح
مسافةً من التجربة التي تُذِيبُ الجَلامِيد

مَوغِلٌ في جحيم الطريق
فيما الدروبُ مكتظَةٌ بالأجساد المعروقة
و الأرواح الشريدة
فلا تَدعْ شعورَ الوحشَةِ ينَالُكَ

2

هذا ظلامٌ واضحٌ
يجعل الشمسَ الصغيرةَ نهاراً فاضحاً
ظلامُكَ هذا وظلامُ غيرك
وليسَ للخبّاز أن يَثِقَ بأوهامك
فكل رغيف يتوهج في الذاكرة قمرٌ يفتحُ الطرقَ
ويفضحُ الحلمَ كلما نَزَعَ إلى الوهم

3

لماذا تمنحُ الظلامَ أسماءَ أخرى
وتؤجل قهوتك انتظاراً لكسرة الخبز
ثمة أرغفة ساخنة في التنور
و ما عليك إلا أن تشحذَ حديدتَك الباردة بجُمْرةِ القلب
وتصدّق أسطورةَ الجوع الماثل
لستَ جائعاً ولا العطشُ يَفْرِي عِظامِك
إنه الظلامُ يا سيدي

4

تَرتَجِلُ أحلامَكَ
فيظنُ الليلُ بكَ الظنون
تنتخبُ للظلامِ العناوينَ مُضلِلاً القاطنَ و المسافر
ويَطِيشُ بك العقلُ كأنَّه الجنون
مَنْ قالَ لكَ أنكَ الوحيدُ وحده
مَنْ قالَ لَكَ أنكَ ذئبُ السهول في سديم المسافة
أنتَ ماءٌ شاحَبٌ ونَحِيبٌ مكتَوبْ
فارتجلْ ما يحلو لك من الأحلام
وليفتك الظنُّ بهم
فلن ينالُكَ غير ما يطيبُ لكْ

5

أنظرْ إليه
ظلامٌ مألوفٌ يَقِفُ هناك
مثل عَدُوٍّ واضحٍ
تَتعَثَّرُ أقدامُك بالحجر عند المنعطف

وتُقامُ السرادقُ لأجل مديحِكْ
مديحٌ يضاهي المراثي
فلا تأخذك الرهبةُ مما يُبهِجُ روحَك
مثلما يبغتُ الذئبُ سهلاً زاخراً بالكائنات المذعورة
فيرأفُ بها
ويستديرُ نحو منعطفٍ آخر
كأنَّ كل هذا الظلام لا يكفي لنحيب ذئبٍ مثلك

6

ما أجمَلكَ أيها الذئبٌ
جائعٌ
وتتعفّفُ عن الجثثْ .

***

كلما انتحرنا

كلما انتحرنا
بوهم الباب لكي نُصَدِّقَ أنه موصدٌ مثل جدار نعود فنتذكر بأن ثمةَ أشياءٌ جميلةٌ تُغري بمغامرةٍ أخرى كان علينا أن ننجزها قبل ذلك فينتابُنا بعضُ الندم ونحاولُ أن نتراجَعَ متداركينَ أمراً يكادُ يكونُ تدارُكُه مستحيلاً وحالَمَا نَعودُ عن انتحارِنا ويَحْدُثُ هذا مراتٍ كثيرةٍ في الحياة لكي نُنْجِزَ ذلك نكتشفُ أن أحداً غيرنا قد بادرَ في تَوَلّي ذلكَ عنا عندها لا يعودُ لوجُودنا مثل انتحارٍنا معنى

كلما انتحرنا
لكي نؤكدَ للآخرين أنهم بالغوا في العَبَثِ بنا اكتشفَ الآخرونَ أن ثمةَ حَمْقى يتوجَبُ تلقِينُهم دَرسَاً في اللياقة لئلا يبالغوا في الاستهانة بالقناديل وهي تَرْسُمُ الخَرائِطَ ويُخالِجُنا شَعورٌ بَضَغِينَةٍ غامضةٍ تجاه هؤلاء مَنْ لا يَرونَ في انتحارِنا غيرَ العَبَثَ بالحياة ونَوَدُ ساعتَها أن نعُودَ لكي نَشْرَحَ لهم بِسَرْدٍ أكثرَ ضَراوةً من النص لئلا يكونَ سوءُ الفَهم هو آخرُ ذكرياتهم عنا وعندما نتمكن من العودة ويحدث هذا بمعدل تسعَ مرات في حياةٍ واحدةٍ ونجلس إلى هؤلاء في محاولة لتفسير ذهابنا بهذا الشكل أو ذاك لا نرى أمامنا غير أحداق زجاجية تحملق في فراغٍ هائلٍ وفيما نتوغلُ في الشَرحِ يكون هؤلاء شبَه غائبين كما لو أننا نتحدثُ إلى كائناتٍ غير موجودةٍ ونكاد نشعر أنها غير حيةٍ أيضاً وقتها ينتابُنا الشَكُّ ما إذا كنا قد عُدْنا من هناك أمْ لا

كلما انتحرنا
وأغلقنا النافذةَ الأخيرة خلفنا سَمِعنا باباً لا يزالُ موصداً هناك يُصدِرُ صَريراً مثلَ مُغادرة الغائبِ ونُدركُ أن ثَمةَ أشخاصاً ساهموا في مغادرتنا باكراً بشكلٍ مباغتٍ وحالما نُديرُ أعناقَنا نشاهِدُ الأشخاصَ ذاتَهم يَضَعُونَ خدودَهم المجَرّّحَة بالدموع على عتبة الباب في محاولة لاستعادتِنا ثانيةً لأجل الاعتذار فنتبادل النظرات عن كثبٍ مثل سُجناء يَرقَبُونَ سِرداباً حَفَرُوهُ متجنبين لحظةً مناسبةً للهَرَبِ فنَقِفُ كَسِيرِي القُلوبَ ويكون قرارُ العودةِ قد تَمَّ انجازَه في أذهانِنا فثمة أملٌ في التفاهم مع أولئكَ الذينَ يزعمون تركَ الباب موارباً فيما يُحكِمُونَ إغلاقَه بصلافة السجان وما إن نَضعَ أنفسَنا تحتَ أمرتِهم مجدداً في محاولةٍ لتفادي الانتحار ويحدُثُ هذا كثيراً في الحياة التي لا يمكن تفاديها غالباً يكون الأشخاصُ قد جَفَّفُوا دمُوعَهم سريعاً واستعادوا هيئَةَ القُضاة وطبيعةَ الضِِباعِ النشيطة ليبدو الخطأ ليس في الانتحار لكن في العودة عنه

كلما انتحرنا
في محاولة لإقناعِ امرأةٍ بأنَّ الحبَ هو أيضاً سَببٌ للموت نكتشفُ أن تلك المرأة يمكن أن تَجِدَ مَجْداً في اقترانِها بشَخْصٍ غائبٍ أكثرَ من اقترانِها به موجُوداً مما يجعلُ شُعورنا بفداحة الخسارة مُضاعَفاً خُصوصاً إذا كنا نرى إليها من هناك وهي تَستَدِيرُ بكعبِ الفُولاذِ يَكُزُّ على عَظْمَةِ القَلبِ نحو أولِ شخصٍ لتبدأ في التَغْرِيرِ به وإقناعَه بالانتحار لأجل إقناعها بأن الحبَ هو أيضاً سَببٌ جديرٌ للموت فَنَكُفّ عن المبالغة في الانتحار ونستديرُ عائدينَ ويَحْدُثُ ذلك على الأرجح في حياةٍ لا تُحْتَمَلُ لكي نُحَذّرَ شخصاً من مصيرٍ وشِيكٍ غيرَ أننا نكونُ قد تأخرنا عن ذلك حيث يصادفنا شَخصٌ في منتصف المَصيرِ على شَفِيرِ النهايات

كلما انتحرنا
لكي نختبرَ قِدرةَ الكتابة على تأجيلِنا نجدُ أن كتبَاً كثيرةً موجودةً لنا موجودةً فِينا ويتَحَتَمُ علينا لكي نتأكدَ من قِدرتِنا على الغياب أن نعيدَ كتابتَها مراتٍ أخرى من أجل تفادي أخطاء اللغة والمطبعة والقراءة

أخطاءٌ عادةً ما تكون السبب المباشر لسوء التفاهم الذي يَحدُثُ بيننا وبين الآخرين ولا نجدُ وسيلةً لتوضيح ذلك إلا بالعودة عن الانتحار لبعضِ الوقتِ لتلقين الناسَ طريقةً جديدةً في قراءةِ الكتب فنؤجِّلُ توغلَنا في الانتحار ويحدثُ هذا على الأرجح مرةً كلَ يومٍ في حياةٍ ضيقةٍ لكي نرقبِ الكتبِ وهي تستعيدُ حياتَها في سديمٍ من النسيانِ فالكتُبُ ليستْ الوسيلةُ الناجِعَةُ لتأجيلِ الموتَ ولا هي قادرةٌ على استحضارِ الموتى ولا فائدة من الحبر والورق في سياقٍ يَنْقُضُ النَصَّ والشّخصَ في آنْ.

كلما انتحرنا
لكي نتفرَّغَ وحيدين، للتمتع بحياتِنا بمعزَلٍ عن الذين ظلوا يُفسِدُونها علينا طوالَ الوقت نَجِدُ أنفسَنا محاطِينَ بطقُوسٍ تَسْتَوجِبُ الإصغاء لأكثر الأحاديث فَجاجَةً من كائناتٍ لا تُحْسِنُ غيرَ التأنيب المُفْرط في بلادتِه بِحُجة أنَّ في الحياة ما يُوَفِرُ لنا المتعةَ وأن المتعةَ لا تكتمل بغير الناس لنجدَ أن الانتحارَ لم يكنْ قراراً حكيماً فنحن لم نَنَلْ غيرَ خَيارٍ واحدٍ هو مواجَهةُ من تَوهَمْنا الفَرار منهم فَنَفُرّ ثانيةً ويحدث هذا لنا بوصفِنا أكثر المنتحرين سذاجةً وأضعَفَهُمْ فَراراً إلى الحياة بهدف تفادي توفير الفرصة لمن يريد أن يستفردَ بنا هناك

كلما انتحرنا
وجدنا أن بشراً أكثر بسالة منا قد سبقونا إلى هناك وهذا ما يجعل انتحارنا ضرباً من العبث الفاتن أو هو نوعٌ من الإستعادات المألوفة فهناك بَشَرٌ أكثر سَفَاهَةً ذَهبُوا قبلنا لكي ينتظروا حضورنا مما يجعلُ الانتحار نزوة ليست مأمونة العواقب خصوصاً إذا كانت صادرةً عن هروبٍ من ثقل الواجب المشحون بتفاصيلَ تُفسِدُ الحياةَ والأحياءَ فإذا بها نزهةٌ تُفسِدُ الموتَ على المنتحرين فنتكاتَفُ مثلَ كتيبةِ من الفِيَلة مسرعين إلى العودة عن الانتحار ساعتها يكون الوقت قد فاتَ فالطريقُ مكتظةٌ ببشرٍ في هيئة الفِيَلة تَتَخَبطُ في بحيرة عميقةٍ من الطين فلا تُتاحُ لنا فرصةَ العودة وهذا يَحدُثُ عند التظاهر بالعودة من الحياة والانتحار معاً

كلما انتحرنا
لكي ننسى نذكر أن ثمة تجربة جديرة بالاختبار هي النسيان والجلوس في الشرفة والنظر إلى الحياة وهي تمر عابرة أمامنا مثل شريط من الفيلم الخام لنرى ما يحدث للشخص حين ينتحر.

***

شكّ الشمس

عندما تكونُ على مشارف الخمسين
وتجدُ نفسَكَ واقفاً بيدينِ فارغتينِ أمام مستقبلٍ غامضٍ بالكاد يبدأ مكتظاً بالمحتملات الكئيبة فتبدو كمنْ قَطَعَ الطريقَ كلَّه من ذلك الأمل ليصل إلى هاويةْ
فترفع عينيكَ لخشبةِ البابِ الشاهِقِِِ
تقول له : افتحْ
ويَفتحُ
فلا تجدُ غيرَ السَديم
فإذا أنتَ في حضرةِ الخَلقِ من أوله

عندما تكونُ على مشارف الخمسين
بعد خمسة عشر كتاباً وأسرتينِ وأحفادٍ وشِيكينَ وجسدٍ معطوبٍ و زنازينَ كثيرةٍ ونصوصٍ ملطخةٍ بحبر القلبِ ومخطوطاتٍ خمس في خِزانَةِ الروح وأصدقاءَ يهدِدُونَكَ بالفَقْدِ وليالٍ محتدمةٍ بالكوابيس ومشاريعَ قيدَ الخُرافَةِ وأنتَ لا تكاد تطمئنُ لما بعد الغَدْ
كيف يتسنى لكَ أن تكونَ محسوباً على البشر دون أن تَصابَ باليأس

عندما تكون على مشارف الخمسين
وترى بين يديكَ رُكاماً من الأحلام المغدورة وشظايا المجابهات تُضَرِجُ جَسَدَكَ الواهن والوطنُ يقفُ على رصيف الذاكرة نُصفُه في وَهْمِ الجغرافيا ونصفُه في حُلمِ التاريخ لا يَستَدِيرُ إليكَ إلا لكي يَفْتُكَ بما تَبَقْى في ذُبالةِ رُوحِكِ من زَيتِ الناس فتكادُ تَجْهَشُ لفَرْطِ الخَسارَةِ ولا يَكادُ يسمَعُكَ غيرُ غُبارٍ يغْبُّشُ مرآتك
ماذا تُسَمّي كتابك القادم إنْ كانَ ثمةَ وقتٌ له
عندما تكون على مشارف الخمسين

وتديرُ رأسَكَ في وطنٍ يَخْتَلِطُ عليكَ بملامح الثَكنَةِ لا يَسْمَعُ قصيدَتَكَ ولا يُصغِي لنَحيبِكَ ولا تَنْتابُه التِفاتَةُ الغَريبِ للغَريبْ وطنٌ وَضَعتُه زِينةً على جَسدِكَ المَرْضُوضُ فوَضَعَ لكَ النِصالَ تُسْنِدُ خاصِرتَكَ لتبدو مثلَ خَيالِ المآتَةِ في حقلٍ خَرّبَتهُ الرياحُ السُودُ تُدِيرُ رأسَكَ فلا تَرى غيرَ المُسُوخِ تَسُدُ عليكَ السُبلَ زاعمةً أنها الناسُ تُديرُ رأسَكَ في حَسْرةِ من يَهُمُ بالضَحِكِ فيَجْهَشُ كَيفَ يَمكِنُ إمساكَ الخيطَ الأخير في أشرعة السفِينةِ وهي مَترُوكةٌ في عواصفِ البحرِ كأنَّ لا أحد من الآباء رَكِبَ بَحْراً ولا أحد من أحفادِكَ سَيُحسنُ العَومْ

عندما تكون على مشارف الخمسين
وتلتفتُ خَلفَكَ فلا تَرى غيرَ الأنقاض كأنَّ العُمرَ الذي أسْرَفتَه في الأمس لم يكنْ يَمضي إلا في خرابٍ مستعجلٍ وكأن الطريقَ التي مَنحتَها القناديلَ من لَحمِكَ وعَظمِكَ وبياضِ عينيكَ لم تكنْ غير سردابٍ مشحونٍ بالأشباحِ ظنَنْتَ أنها الناسُ مَعَكْ
فإذا بهم اليأس عليك

عندما تكون على مشارف الخمسين
وتحاولُ أن تُحصِي أفراحَكَ فلا يُسعِفُكَ الوقتُ ولا يَسَعُكَ المكانُ تُسْنِدُ ظَهرَكَ في جحيمٍ وتُحدّقُ في جمرةٍ وينتابُكَ الدُوارُ لفرطِ المَسافةِ التي اخْتِلَجَ بها جَسَدُكَ وتَشْظّتْ بها رُوحُكَ وتَاهَ القَلبُ مِنكْ

عندما تكون على مشارف الخمسين
وتُصابُ بالشَكّ في شَمسَ أيامَك .
تُرى هل سيُتاحُ لكَ من العُمرِ ما يَكفي
لكي تعِيدَ قِراءَةَ مُسوَدةَ كتابِكَ الأخير قَبلَ القبر ؟

عندما تكونُ على مشارف الخمسين
ستتمنى أنكَ لم تَزلْ تقعُ في خطأ الحساب
عندما تكون على مشارف الخمسين.

***

عن قيس

سَأقُولُ عَنْ قيس
عَنِ الهَوَى يَسْكُنُ النّارَ.
عَنْ شَاعِرٍ صَاغَنِي في هَوَاهُ.
عَنِ اللَّوْنِ والإِسّْمِ والرَائِحَةْ.
عَنِ الخَتْمِ والفَاِتحَةْ.
كُنْتُ مِثْلَ السَدِيمِ ، اْسَتَوَى فِي يَدَيْهِ.
هَدَانِي إِليْهِ.
بَرِئْتُ مِنَ النَاسِ لَمَّا بَكانِي إِليْهِمْ
زَهَا بِيْ وغَنُّوا الأَغَانِي بأشْعَارِهِ.
فَمَا كانَ لِي أَنْ أُقَدّرَ هَلْ أَشْعَلَنِي أَمْ طَفَانِي.
سَأقُولُ عَنْ قَيس
عَنْ جَنَّةٍ بَينَ عَيْنَيَّ ضَاعَتْ
عَنْ هَوَاءٍ أَسْعَفَ الطَيْرَ واسْتَخَفَّ بِنَا واصْطَفَانَا
عَنْ كُلّمَا هَمَّ بِيْ تُهْتُ فِيهِ
وبَاهَيْتُ كَيْ نَحْتَفِي بالمَزِيجْ
عَنِ العِشقِ تَلتَاعُ فِيهِ الحِجازُ
ويَشّْغَفُ فِي ضِفَّتَيهِ الخَلِيجْ.
سَأقُولُ عَنْ قَيس
عَنْ حُزْنِهِ القُرّْمُزِيِّ
عَنِ اللَّيلِ يَتْبَعْ خُطَاهُ الوئيدة
عَنِ الماءِ لَمَّا يَقُولُ القصيدة
بَكى لِي البُكاءَ،
وهَيأَ لِي هَوْدَجَاً
وانْتَحْى يَسْأَلُ الوَحْشَ عَنِي
كَأَنِّي بِهِ لا يَرَى فِي القَوافِلِ غَيْرَ الخُيول الشريدة.

سَأَقُولُ عَنْ قَيس
عَنِ العَامِرِيَّ الذِي أَنْكَرَتْهُ القبيلةُ.
عَنْ دَمِهِ المُسْتَبَاحْ.
عَنِ السَيْفِ لَمَّا انْتَضْاهُ مِنَ القَلْبِ
واجْتازَ بِي أَرْضَ نَجْدٍ لِيَهْزِمَ كُلَّ السِلاحْ.
عَنِ اللذَّةِ النادرة
عَنِ الوَجْدِ والشَوْقِ والشَهْقَةِ الساهرة
عَنِ الخَيْلِ تَصْهَلُ بِي فِي الليالِي
والصَّهْدِ يَغْسِلُنِي فِي الصَبَاحْ.

و يا قَيسُ يا قَيسُ
جَنَّنْتَنِي أَو جُنِنْتَ ،
كِلانَا دَمٌ سَاهِرٌ فِي بَقايَا القَصِيْدَةْ.

***

عن ليلى

سَأقُولُ عَنْ ليلى
عَن العَسَل الذِي يَرْتَاحُ فِي غَنَجٍ على الزَنْدِ.
عَنِ الرُمَّانَةِ الكَسْلَى.
عَنِ الفَتْوَى التِي سَرَّتْ لِيَ التَشْبِيهَ بالقَنْدِ.
عَنِ البَدَوِيَةِ العَيْنَينِ والنَارَينِ والخَدِ.
لَها عِنْدِي
مُغَامَرَةٌ تُؤَجِجُ شَهْوَةَ الشُعَراءِ لَوْ غَنُّوا
صَبَا َنجْدٍ مَتَى قَدْ هِضْتَ مِنْ َنجْدِ
عَنِ النَوْمِ الشَفِيفِ يَشِي بِنَا.
عَنْ وَجْدِنَا، عَنْها.
لِئَلا تَعْرِفَ الصَحْراءُ غَيْرَ العُودِ والرَنْدِ.
سَأقُولُ عَنْ ليلى
عَنِ القَتْلى.
وعَنْ دَمِنا الذِي هَدَرُوا.
عَنِ الوَحْشِ الصَدِيْقِ.
وفِتْنَةِ العُشاقِ
واللَّيلِ الذِي يَسْعى لَهُ السَهَرُ.
عَنِ الطِفلَينِ يَلْتَقِيانِ فِي خَفَرٍ
ولَمّْا يُزْهِر التُفاحُ يَخْتَلِجانِ بِالمِيزانِ
حَتْى يَخْجَلُ الخَفَرُ.
لِليْلى شَهْقَةٌ أَحْلى
إِذا ما لَذّةٌ تَاهَتْ بِنا
وَتَناهَبَتْ أَعْضَاءَنا النِيرانُ.
مُتْنا أَو حَيِينا.
أو يَقولُ الناسُ أخْطَأنا.
سَتَبْكِي حَسْرَةٌ فِينا إذا غَفَرُوا.

سَأقُولُ عَنْ لَيلى
عَنِ المُسَافِرِ عِنْدَمَا يَبْكِي طَوِيْلا
عَنِ السِحْرِ اللَّذِيْذِ إِذا تجَلّى فِي كَلامِ عُيُونِها
عَنْ نِعْمَةٍ تُفْضِي لأنْ أقْضِي رَحِيلا
عَنْ مَراياها مُوَزّعَةً تُخَالِجُ شَهْوَةَ الفِتْيانِ
عَنْ مِيزَانِها مَشْبُوقَةً.
عَنْ عَدْلِهَا فِي الظُلْمِ.
عَنْ سَفَرِي مَعَ الهَذَيَانِ.
عَنْ جِنِيةٍ فِي الأِنْسِ تَنْـتَخِبُ القَتِيلا
لَيْلايَ لَوْ يَدُهَا عَليَّ
ولَوْ يَدِي مَنْذُورَةٌ تَهَبُ الرَسُوْلا
سَأقُولُ عَنْها مَا يُقالُ عَنِ الجُنُونِ إذا جُنِنْتُ
ولِي عُذْرٌ إذا بالَغْتُ فِي مَوْتِي قَلِيلا.

***

الأشياء

غَابَتْ عَنْهُ وهُو فِي انْتِظَارٍ، يَجْلِسُ فِي غُرْفَةِ الطَرِيقِ. أَشْياؤُهُ مَنْثُوْرَةٌ لِلنِّسْيَانِ والتَذَكُّر، والنَاسُ يَعْبُرُونَ مِثْلَ الأثَيِر. ومِنْ نَوافِذِ أَجْسَامِهمْ، يَرى إِليها تَرْكُضُ إِليهِ ولا تَصِلْ، يَركُضُ إِليها ولا يَصِلْ، والنَاسُ يَعْبُرُونَ عَلى أشْيائِه المَنْثُوْرَة (رِيْشَةُ قَطَا مُسْتَدِقَّةُ الرَأْسِ /خَيْطُ حَرِيْرٍ أَخْضَرُ عَقَدَتْهُ أُمُهُ فِي زَنْدِ طُفُولَتِهِ / خَاتَمُ عُرْسٍ مَنْحُوْلٍ مِنْ فَرْطِ الخَلْعِ / حِجَابٌ فِي جِلْدَةِ ضَبْعِ / عُوْدُ سِواكٍ يابِسٍ/ كِسْرَةُ ياقُوتٍ مَعْرُوقٍ بالفَحْمِ / خُرْجٌ ثَقَبَتْهُ الرِيحُ / أشْلاءُ لِجَامٍ تَنْضَحُ مِنْهُ رِيحُ الخَيلِ / وَحْشَةٌ) يَلْتَقِطُونَ مَا يُصَادِفُ أَقَدامَهُمْ. نِسْوةٌ يَجْلِسْنَ إِليِه يَسْتَنْشِدْنَهُ شِعْراً، يَسْأَلُهنَ عَنْ لَيلى. فَيُخْبِرْنَهُ أنْها فِيْهِنَّ وتَتَخَفّى لِئَلا تَفْضَحَها القَبِيْلَةُ. فَيَقُولُ إِنَّها وهِي مَحْجُوبَةٌ تَتَراءى لَهُ أَوْضَحَ مِمَّا لَو كانَتْ مَكْشُوفَةً. فَيَستَنْشِدْنَهُ فَيَرفَعُ صَوتَه لَعَلَها تَرَاهُ. وكانَتْ هُناكَ وهِيَ تَسْمَعُ، يَقُولُ شِعراً يَفُتُّ الجَلامِيْدَ، والنِسْوَةُ يُطْلِقْنَ التَنَهُداتِ وهِي تَسْمَعُ، يَتَفَجَّعُ لَهُنّ بِالفَلذاتِ، وهُنّ يَسْتَزِدْنَ وهِي تَسْمَع . الناسُ يَمُرُونَ بِنَوافِذِ أجْسَامِهم الواسِعَة، يَأخُذُونَ أَشْيَاءَهُ المنْثُوْرَة (فَصُ فَيرُوزٍ شَائِخ/ حُقٌّ بِثُمَالَةِ العَنْبَرِ / كُوفِيَّةُ طِفْلٍ هَلْهَلَها الرَمْلُ / خُصْلةُ شَعْرٍ غَامِضَةٍ / مَا يَرْجِعُ فِي السَّرْجِ مِنَ الحَرْبِ / قَلَقٌ) ويَعْبُرُونَ، والنِسْوَةُ يَتَطايَرْنَ فِتْنَةً وإعْجَابَاً. يَقُولُ شِعْراً فَيَتَضَاحَكنَ، ويَبْكي، وهِي تَسْمَع. فَأدْرَكَتْ النِسْوَةُ أَنَّ الأَمْرَ َتَجَاوَزَ طَاقَةَ الشَّخْصِ، وكَادَ يَتْلَفُ مِنْ صَمْتِ المحْبُوبْ. النَاسُ يَعْبُرُونَ وأشْيَاؤُه المنْثُورةُ ( غِمْدٌ فَارِغٌ / آثَارُ دَمٍ فِي خِرقَةٍ / رِتَاجٌ مَكْسُورٌ/ جُزْء (عَـمَّ يَتَسَائَلُونَ فِي صُفْرَةِ الوَرَقْ/ تَعْوِيْذَةُ إِلْفٍ /سِقَاءٌ مُتَقَلِّصٌ / مِخْلَبُ نِسْرٍ / عِرْقُ لُبَانٍ / قِطْعَةُ لَحْمٍ مَقْدُود) تَكَادُ أَنْ تَنْفدَ، وهِي تَسْمَعُ. فَقُلْنَ لَه (يا قيس، لَقَدْ ظَلَمَكَ الحَبِيبُ بِلا رَأفَة، وَحَقُكَ أَنْ تُسَيِّبَه لَعَلَهُ لايَسْتَحِقُ). فَصَرُخُ بِهِنّ :
(لا والله، كُلُّ خَشْيَتِي أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ جَدِيراً، فَحَقُهَا عَليَّ أَنْ أُبَاهِي بِأَنِيَ الخَيْطُ المُنْسَّلُ فِي ذَيلِ وِشَاحِها، وأَقْبَلُ إِذا هِي قَبِلَتْ.

فَإذا ِبنَشِيجٍ يَصْدُرُ مِنْ جِهَةٍ تَشِفُّ عَنْ رُوْحٍ أَدْرَكَها بُكاءٌ لَمْ تَقْدِرْ عَلى صَدِّهْ، فَالْتَفَتَتْ النِسْوَةُ يَنْظُرَنَ مَصْدَرَ النَشِيجِ، فَأَشْرَقَتْ شَمْسٌ صَغِيرَةٌ مِنْ مَطْرَحِها وغَابَتْ كَأنَّها تَدْخُلُ إلى خِباءٍ، وتَرَاءى لَهُنَّ أَنَّ لَيلى طَافَتْ وأَخَذَتْ مَا تَبَقَّى مِنْ أشْيَائِهِ المنْثُورَة (ثَالِثَةُ أَثَافٍ مَحْرُوقَة /غُصْنُ أَرَاك / صُوفَةٌ مِنْ وَبَرِ الإبلِ / نوَاةُ تَمْرٍ مَثْقُوبَة بِشَعرَةِ الخَيْلِ/ خُفٌ حائِلُ اللْونِ/ نَوْمٌ قَلِيلٌ/ قَوْسُ قُزَحٍ شَاحِب) وقَيسٌ مَشْدُودٌ، يَكادُ يَخِفُّ إِليْهَا مِنْ مَكانِهِ، اِنْجِذابَاً وهِي تَذْهَبُ عَنْهُ ذَهَابَ القَمِيصِ مَسْلُوْلاً مِنَ الجَسَدِ. فَأَدْرَكتْ قَيْسَاً رَعْشَةُ رِيحٍ بَارِدَةٍ مَسَّتْ صَدْرَهُ المَكْشُوف بَعْدَ اِنْسِلالِ القَمِيصْ. جَالِسٌ فِي غُرفَةِ الطَرِيقِ، يَسْقِي النِسْوَةَ شِعراً، ويَبكِي عَطَشَاً، وهُنَّ يَتَضَاحَكنَ مِمَّا يُثِيرُهُ الحُبُ فِي كَيَانِهِنَّ الذِي مِنْ مَاءٍ لا تُطْفِئهُ النِيران، يَتَضاحَكْنَ وهُو يَبْكِي. وشَمْسُهُ الصَغِيرَةُ تَذْهَب.

***

حديقة الحصن

لَمْ يَكُنْ جَسَدَاً، حَدِيْقَةَ الحِصْنِ كان.
وكانَتْ الجِراحُ تَتَفَتَّحُ مِثْلَ وَردٍ كُلمَا وَضَعَتْ يَدَها عَلَيهِ.
لِلحَضْنِ هذا الجَسَدُ ولَيْسَ لِلقَصْفِ. لأِصَابِعَ تُحْسِنُ الحُلمَ وتَفْسِيرَهُ. الأهْدابُ لِرَاحَةِ المَسَاءِ والوِسَادةُ لآثَارِ الوَيلْ. لَكَ الكَتِفُ لِتَبكي عَلَيهِ وخَيْطُ الدَمْعِ لِتَسْكَرَ، هَاتِ الأعْضَاءَ والعَنَاصِرَ امْزُجْهُمَا بِمَا يَفِيضُ مِنْ أنْفَاسِي أُرْقِيْكَ بِالكُحْل والسُوَيْداءِ وفَصِّ الهَوْدَجِ لا يَأخُذُونَكَ مِنِي ولا يَأخُذُونَنِي مِنْكْ. نَضَتْ قَمِيصَهُ وراحَتْ تُدَاوِيهِ بِبَلْسَمَينِ، الحُبِ والشِعرِ. وأخَذَتْ تَمُرُّ بِأنَامِلِهَا عَلى جَسَدِه كَمِنْ يَقْرَأ :
( كُلُ هَذِه الجِرَاحُ فِي جَسَدٍ صَغِيرٍ إلى هذا الحَدْ؟)
فَيَقُولُ : ) أَنْتَظِرُ أَكْثَرَ مِنْ هَذا وأقْدِرُ عَلَيهِ لَوْ أنَّكِ تَصْبِرِيْنَ عَليَّ وتُصْغِينَ لِي، لَوْ أنَّكِ لِي(.
فسَمِعَ مِنْها مَا أَوْشَكَ اليَأسُ أَنْ يَمْحُوهُ مِنْ كِتابِه.

***

سترتني فافضحني

قِيلَ لِقَيْس بنِ الملَوَّح (مَا أَعْجَبَ شيء أَصَابَكَ مَعَ لَيلى) قَالَ (طَرَقَنَا ذَاتَ لَيلَةٍ ضُيُوفٌ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَنا شيء نُوْلِمُ بِهِ لَهُمْ، فَبَعَثَنِي أَبِي إلى مَنْزِلِ عَمْي المَهدِي أَطْلُبُ مِنْهُ مَا يُوْلَمُ بِهِ، فَأتَيْتُهُ فَوَقَفْتُ عَلى خَيْمَتِهِ، فَقَالَ: (مَا تَشَاءُ؟), فَسَأَلْتُهُ حَاجَتِي. فَقَال (يَا لَيلى أَخْرِجِي لَهُ ذلِكَ المَاعُوْنَ وامْلأي لَهُ إِنَاءَهُ مِنَ السَمْنِ). فَأخْرَجَتْهُ لِي وَجَعَلَتْ تَصُبُّ لِي السَمْنَ ونَحْنُ نَتَحَدَّثُ بِهَمْسٍ مُتَقارِبَينِ وأَيْدِيَنا أَرْبَعٌ فِي أَرْبَعٍ، فَأَخَذَتْنا الغَفْلَةُ حَتْى فَاضَ السَمْنُ وانْصَبَّ فَرَكَعْتُ أرشَفُهُ مِنْ أَصَابِعِها وأصْعَدُ مَعَهُ إلى بَاطِنِ ذِرَاعِها وهِيَ تَدفَعُنِي أَنْ أَكُفّ فَأصْعَدُ بِهِ إلى كَتِفها الذِي تَهَدّلَ عَنْهُ جَيْبُها والسَمْنُ يَقُودُنِي إلى نَحْرِهَا وهِي تَنْتَفِضُ وتَدْفَعُنِي أَنْ أَكُفَّ فَأدُسُّ بِشَفَتَيَّ إِلى مُلْتَقى النَهْدَينِ وقَمِيْصُها يَنْحَسِرُ ويَتَحَدّرُ بِفِعْلِ السَمْنِ وأَنَا أتْبَعُ مَسْراهُ فَتَطْفُرُ فِي وَجْهِيَ الفُهُوْدُ والنُمُورُ وهِي تَقُولُ خُذِ القَمِيْصَ عَنِي فَآخُذُهُ وتَقَولُ خُذْنِي فَآخُذُهَا وتَقُولُ لِي سَتَرْتَنِي فَافْضَحْنِي فَأفْضَحُها فَلا نَعْرِفُ كَيْفَ يَفِيْضُ السَمْنُ بِنا وكَيْفَ يَنْعَقِدُ، وهِي تَقُولُ والله إِنَّ جُنُونَكَ يَزِنُ عَقْلَ بَنِي عَامِرٍ وأَوَلُهُمْ هَذا الذِي يَجْثُمُ فِي خِبائِه، تَقْصِدُ أَبَاهَا.

***

الحب

هَاجَ بِه الشَوقُ ذاتَ لَيْلٍ، فَخَرَجَ مُيَمِّمَاً دَارَها، مِثْلَ ذِئْبٍ يَتْبَعُ عِطْرَ قَرِينَتِه، يَجِدُّ في السَّعي ويَلْهَجُ بِاسْمِها ويَتَهَدَّجُ بِآخِرِ ما قالَهُ فِيها مِنَ الشِعرِ، يَتْلُو صَلاةً كَمَنْ يَقْصِدُ الفَجْرَ قَبْلَ أَوانِه، وأَخَذَ يَطُوفُ حَوْلَ خِبائِها حتى اسْتَفْرَدَ بكُوَّةٍ تَفْتَحُها لَهُ كُلَّمَا جُنّتْ إِلَيْهِ، فَدَفَعَ خِرْقَةَ الكُوَّةِ وكانَتْ ذِرَاعَاها فِي لَهْفَة، وهَمَسَ لَها أَنْ تَقُولَ لَهُ الكَلامَ. ارْتَعَشَتْ أَعْضَاؤُها تَنْثُرُ كَبِداً فَرَاهَا العِشقُ وصَعَدَ مِنْها الزَفِيرُ الأَعْظَمُ. امْتَدَتْ لَهُ كالجِسرِ، وسَمِعَ فِي جَسَدِها غَرْغَرَةَ زُجَاجَةٍ تَمْنَحُ مَاءَهَا، فَكَانَ لهَا الإنَاءُ تَسْكُبُ ويَشْرَبُ، وكُلَّمَا قَالَ لَهَا زِيدِي تَزِيدُ وعَرَقُها يَتَفَصَّدُ والخِبَاءُ تَنْداحُ أَسْتَارُهُ وأسْنِحَتُهُ مِثْلَ رِيحٍ وهُو يَقُولُ زِيدي فَتَزِيدُ والعَرَقُ بَيْنَهُمَا يَنْضَحُ وأَوْتَادُ الخِبَاءِ تَتَأَرْجَحُ مِثْلَ إِعْصَارٍ يَتَشَبَّثُ بِالمِزَقِ لِئَلا تَنْهَاُرَ وهُو فِي حَالِ الإناءِ يَفِيْضُ ويَسْتَفِيْضُ والزَبَدُ يُجَلِّلُ أَعْطَافَهُمَا فَتُصِيبُهُمَا الإنْتِحَابَةُ. فَتَكُونُ قَالَتْ لَهُ الكَلامَ كُلَّهُ وقَدْ سَمِعَهُ. ويَكُونُ نَالَ مُتْعَةً يَغْتَرُّ بِها العَاشِقُ وتَاجَاً تَتِيْهُ بِهِ المُلُوكُ. ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: (وأَنْتَ، مَا تَقُولُ فِي هذا اللَيل الذي يَطُول). فَقَالَ لَها (الحُبَ).
وكَانَ أَوَلَ عَاشِقٍ يَكْتَشِفُ هذِهِ الكَلِمَة، وقِيلَ اخْتَرَعَها، وذَهَبَتْ فِي لُغَةِ العَرَبِ دَالَّةً عَلى وَصْفِ مَا لايُوصَفُ مِنْ خَوالِجِ النَاسْ، ولَمْ يُدْرِكُوا كَلِمَةً بَعْدَها عَلَى هذا القَدْرِ مِنَ الجَمَالْ. أَمَّا لَيلى فَإِنَّها بَعْدَ أَنْ سَمِعَتْ الكَلِمَةَ أُغْمِيَ عَلَيهَا، ولَمْ تُفِقْ حَتْى يَوْمِنَا هَذا. ويُرْوَى أَن اسْمَها امْتَزَجَ بِلَيلِ المُحِبِين الذِي يَطُولُ فَتَتَأَجَّجُ فِيْهِ شَهْوَةُ العُشّاقِ ويَتَفَجّرُ جُنُونُهمْ، وقِيلَ إنَّهُ لَيلٌ لا نَهايَةَ لَهُ. فَذَهَبَتْ لَيلى مَثَلاً أَكْثَرَ مِمَّا ذَهَبَ قَيسْ.

***

تاج الضحايا

يَسِيْرُ ويُهْمِلُ أشْيَاءَهُ فِي الطرِيْقِ
شاجِنَ الحُنْجَرةْ.
حَدَّثُوهُ عَنِ العُرْسِ،
فَانْقَضَّ فِي جِلْدِهِ.
قَفَّتْ يَدَاهُ عَلى الماءِ حَتى العَطَشْ
أَرَاغنهُ حَجَرٌ صَادِحٌ
والهَوادِجُ تَمْضِي بِلَيلى إلى العُرْسِ
والعُرْسُ يَذْبَحُهُ.
والهَواءُ قَمِيصٌ لِنِيرانِهِ
لَهُ اللهُ حَبِيبَتُه في السَبايا
يَسِيرُ ويَحْملُ جثْمَانَه
شَاخِصٌ فِي غُبَارِ القَوافِلِ،
تَحْدُو وتَتْرُكهُ فِي البَقَايَا.
رَأيْنَاكَ يَا قَيسُ يا قيسُ
يا تَاجَنَا فِي الضَحَايَا.

***

البكاء كله

قِيلَ لَهُ: ( ماذا لَوْ أَنَّ لَيلى لَمْ تَكُنْ ؟)
قالَ: ( لَكُنْتُ بَكيتُ البُكاءَ كُلَّهُ لِكَيْ تَكُونْ).

***

النص والخبر

آتِيك ِ، آتِيكِ، لا أنْتِ فِي الشَّكِ ولا أَنَا فِي الغَفْلَةِ. أَمَضَّنِي السَّفَرُ وثَلْجُهْ، الصَمْتُ وجَحِيْمُهْ، أَمَضَّتْنِي القِفَارُ وسِيْرةُ الوَحْشِ. ومَا عَلَيكِ إِلا أَنْ تَظُنِّي بِيَ الظُنُونَ ولا أَخْذِلُها، وتُطْلِقِي خَلْفِيَ الكُتُبَ لِكَي أَخْذِلَكِ. آتِيكِ، فَلا مَفَرّ ولا خَلاص مِمِّا اخْتَرناهُ إلا اختِيارَهُ. آتِيكِ فَأبْذُلِي الوَقْتَ، وبالِغِي فِي الحُبِّ لِنُصَابَ بالبَهْجَةِ، ويُصَابَ النَاسُ بِمَا يُرِيْدُونْ. عَلَيكِ أَنْ تَبْذُلِي رَيْشَ كَتفكِ، لِكَي أَضَعَ عَلَيهِ رَأسِي وأَبْكِي لَكِ البُكَاءَ كُلَّهُ، إلى أَنْ تَحْتَرِقَ كَبِدِي، ويَتَصَاعَدَ مِنْها اللَّهبُ والشَوَاظُ وبُخَارُ اللَّهْفَةِ. وعَلَيْكِ أَنْ تُصْغِي لِلأَخْطَاءِ المُلَفَّقَةِ كُلِّها. تُصْغِي إليْها بِلا اكْتِراثٍ. فَفِي كَتفكِ يَنْهالُ جَيْشٌ مِنَ الفُرْسَانِ المَهْزُومِينَ يَزْعُمُونَ انْتِصَاراتِهمْ. عَلَيكِ بكَتفكِ الرَهِيفَةِ ورِيْشِها، عليك أَنّ تَحْتَمِلِي عُوَاءَ الذِئْبِ ونَحِيب الكَبِدِ المَفْدُوحِ. عَلَيْكِ دَيْنٌ لِي أُؤَدِّيهِ عَنْكِ، ولَكِ دَيْنٌ عِنْدِي تُؤَدِّيْنَهُ لِي. كِلانَا مَسْحُورٌ وكِلانَا لا فَكَاكَ لَهُ مِمَّا هُوَ فِيه. عَلَيْكِ أَنْ تُؤْمِنِي بِي قَادِمَاً ذاتَ لَيْلٍ، فَازِعَ القَلْبِ مُحْتَقِنَ الأحْدَاقِ مَجْنُون الفُؤَادِ مَحْسُورَ الجَسَدِ، بَاحِثَاً عَنْ صَدْرٍ يَدّخِرُ الجنَّةَ لِي. فَعَلَيكِ أَنْ تَشُقِّي لِيَ القَمِيْصَ عَلى آخِرِهِ كَي أَدْخُلَ أنَّى أَتَيْتُ وأخْرُج أنَّى ذَهَبْت. عَلَيكِ أَنْ لا تَكُفِّي عَنِ السَهَرِ ولا تَأخُذُكِ سِنَةٌ مِنْ النَوم، ولا يَفُوتُكِ الحُلُمْ. وسَاعَةَ أَنْزلُ عَلَيكِ مِثْل مَلَكٍ يَحْملُ النَبَأَ، لا يُخَالِجُكِ شَكٌّ فِي شَخْصٍ لا يُشْرِكُ فِيكِ شَيئَاً ولا تَنَالُهُ المَظَنَّةُ ولا يَصْدُرُ عَنْ سِواكِ ولا يَذْهَبُ لِسِواكِ ولا يَقُولُ عَنْ سِواكِ ولَيْسَ لَهُ مَآلٌ غَيْرُكْ. عَلَيكِ أَنْ تَجْعَلِي الخِبَاءَ بَهْوَ الكَونِ وسُرادِقَ المجَرّةِ وسَرِيْرَكِ السَديم. عَلَيكِ أَنْ تَجْعَلِي بَابَ الخِبَاءِ مَتْروكاً بَعْدِي، لِكَيْ تَدْخُلَ البَادِيةُ كُلُّها والحَضَرُ كُلُّهُ، فَيَنْظُرونَ إلَينا ونَحْنُ نَضَعُ أَعْضَاءَنا فِي القَتْلِ والقِتَالِ. تَحْتَّكُ وتَحْتَدِمُ وتَرْتطِمُ ويَتَطَايَرُ مِنْها النُورُ وتَنْدَفِقُ النِيرَانُ. دَعِي لَهُمُ الخِبَاءَ فِي التَّرّْكِ لِكَي يَنْهَالُوا ويَنّْهَلُوا مِمَّا نَفْعَلُ ولا يَعُودُونَ يَشُّكُوْنَ فِي النَّصِّ والخَبَرْ.

***

قنديلٌ
يهدي العشيق ويضلل غيره

لَقَدْ شُبِّهَ لَهُمْ، فَثَمَّةَ بَينَ جُنُونِ العَقْلِ وجُنُونِ الفُؤادِ شَسّْعٌ يَسَعُ الشِعْرَ كُلَّهُ والعِشقَ جَمِيْعَهُ. عَقلٌ يَغْلِبُ الذَهبَ، طَارَ يُبَشِّر بِجُنُونِه المَفْؤُدِينَ فِي هَواءِ الجَزيرةِ، يَبَغَتُ غَلَظَةَ الأكْبَادِ ويُوقِظُ غَفْلَةَ الأفْئِدةِ، يُغَرِّرُ بِالصَبَايَا كَيْ يَكْشِفْنَ قُمْصَانَهُنَّ لِفِتْيانٍ كَادَ الحُبُ أَنْ يَفْتِكَ بِهِمْ وهُمْ يتَدَافَعُونَ بِالمَنَاكِبِ مُوَلَعِينَ في تَهْلكةٍ بِلا رَيْبٍ ولا هَوادَةْ، يَفّْتِنُ النِسَاءَ عَلَى أَزْواجِهِنَّ ويَنْتَصِرُ لِشَرِيْعَةِ العِشْقِ، فَيُصَابُ النَاسُ بِالغِبْطَةِ لِزَفِيرٍ يَصدُرُ كَبُخَارٍ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ سَاتِرٍ لِيَمْلأَ اللَيلْ، جُنَّ القَومُ وأَخَذَ كُلُّ عاشِقٍ يَقُدُّ قَمِيْصَ اْمْرَأتِهِ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ورَاحَتْ كُلُّ امْرأةٍ تَقُودُ النَخْبَ نَحْوَ فَجِّهَا العَمِيقِ مُأرْجِحَةً قِنْدِيْلاً مِنَ الزَبَرْجَدِ يَهْدِي العَشِيقَ وَيُضَلِلُ غَيرَه. فَلَمْ يَكُنْ الجُنُونُ. كانَتْ امْرَأةٌ اسْمُها لَيلى، قِيلَ إنَّها جَمِيعُ النِّسَاءِ وقِيلَ عَنْها مَلِكَةٌ من الجِنِّ تَراءَتْ لِشَخْصٍ أَعْطَتْهُ فَأخَذَها. ثُمَ رَاحَ يَتَقَمّصُ القَاطِنَ والمُسَافِرَ، ويَفْضَحُ كُلَّ جَبَانٍ يُخْفِي عشْقَهُ عَنِ امْرَأَتِهِ، وكُلَّ خَاشِيَةٍ تَكْتُمُ وَلَعَها بِغَيرِ زَوجِها. صَارَ قَيسٌ فَضِيحَةَ المكانِ، فَطارَ دَمُهُ فِي الأمْصَارِ مَهْدُورَاً تَسْعَى إليهِ السُيُوفُ لِتَفْتِكَ بِه، وَمَا أَنْ تُدْرِكَهُ حتْى تَتَضَرّعَ لَهُ لِئلا يَكُفّ عَنْ ذلكَ ، فَلا يَكُفّ.

***

الحب أبواب

الحب أبوابٌ، عَبَرَها قَيسٌ كُلَّها، ونَحْنُ فِي العَتَبَةْ.
بابُ المَوَدّة : قَمِيصُكَ الأثَيرُ كُلَّمَا تَهَيَّأتَ لِلعِيدْ. فَرّْوُ الهَواءِ يَلْثُمُكَ فَتَأْلَفْ. كَأنَّها الطُفُولَةُ عَنْ كَثَبٍ. تَشّْخَصُ إِليهِ كُلَّما لَمَحْت ظِلَهُ. وتَأنَسْ.

بابُ الشَوقْ: يَلِجُ بِكَ مَوْجَ اللَيلِ مِثْلَ قَارِبٍ غَرِيبْ. تُحْسِنُ العَوْمَ فَتَغْرَقْ. شُغْلٌ عَنْ السِوَى. وَحْدَهُ لَكَ . وَرْدَةُ الجَمْرِ تَزْدَهِرُ كُلَّما هَبّتْ الرِيحُ.

بابُ الوَلَعْ: زَفِيرُ الجَنَّةِ. وَقْتٌ مِنَ السِحْرِ فِي الرُوحِ. لَيْسَ إلاّ هُوَ. نَوْمٌ مُهَلْهَلٌ وَحُلمٌ نِصْفُ مَوْجُودْ. تَطِيرُ فِي الرِيشِ والجَنَاحِ ولا تَهْجَعْ.

بابُ الهَيامْ : يَمُضُّكَ فَتَصّْفُو مِثْلَ نَيلَجٍ وَتَشُفُّ. عَقْلٌ رَقِيقٌ وَجُنُونٌ شَاهِقْ. وَحْدَكَ لَهُ. تَتَذَكَّرُ وتَنْسَى ولا تَعُودْ . تَتّْرَفُ فِي بَهْجَةِ الحَواسْ.

بابُ الشَّهْوَةْ : عُرْسُ أخْلاطٍ. هَلَعٌ فِي العَناصِرِ. جَحيمٌ وجَنَّةٌ ومابَيْنَهُما. وَحْدَكُما. تَخْتَلِجُ فِي الغِيَابِ والحَضْرَةِ . داءٌ بِلا دَوَاءْ. كُلُّه ولا يَكْفِي.

***

كلام بن وحش

يُرْوى أَنَّ قَيسَاً كانَ يَخْتَلِفُ إلى فَقِيهٍ يُقَالُ لَهُ (كَلامٌ بنُ وَحْش)، يَسْتَفْتِيهِ فِي مَا يَأخُذُ النَاسُ عَليهِ. فَعِنْدَما كَثُرَتْ الأقَاوِيلُ عَنْ صِلَتِه بِليلى، وَقَفَ عَلى (كَلامٍ)
واسْتَفْتاهُ فِي مَا يَزْعَمُونَ بِأنَّ عِلاقَتَهُما ضَرْبٌ مِنَ الزِنَى، فَقَالَ لَهُ (الزِنَى هُو بَذلُ جَسَدِكَ لِمَنْ لا تُحِبْ، أَمَّا إِذا العِشْقُ حَصَل والشَوْقُ اتْصَلْ فَلا زِنَى فِيمَا قَدَّرَ اللهُ).
وقِيلَ إَنَّ (كَلامَاً) مَالَ عَلى قَيسٍ وأسَرَّ لَهُ (يَا بُنَيَّ، إِعْشَقْ ما تَيَسَّرَ لَكَ وتَمَتّعْ بِمَا تَسَنّى ولا تُطْفِئ جَذْوَةَ العِشّقِ بِالعُرْسِ مَا اسْتَطَعْت). قِيلَ فَلَمْ يَفْعَلْ المجنونُ غَيرَ ذلِك.

***

هو الحب

قُلْ هُوَ الحُبُ
هَوَاءٌ سَيِّدٌ، و زُجَاجٌ يَفْضَحُ الرُوحَ وتَرْتِيلُ يَمَامْ.
قُلْ هُوَ الحُبُ
ولا تُصْغِي لِغَيرِ القَلْبِ،
لا تَأخُذُكَ الغَفْلَةُ،
لا يَنْتابُكَ الخَوْفُ عَلى مَاءِ الكَلامْ.
قُلْ لَهُمْ فِي بُرْهَةٍ
بَينَ كِتابِ اللهِ والشَّهْوَةِ
تَنْسَابُ وَصَايَاكَ
ويَنْهالُ سَدِيمُ الخَلْقِ فِي نَارِ الخِيامْ.
قُلْ لَهُمْ،
فِيْمَا يَنَامُوْنَ عَلى أَحْلامِهمْ،
سَتَرى فِي نَرْجِسِ الصَحْراءِ
فِي تَرْنِيْمَةِ العُوْدِ وغَيمِ الشِعرِ سَرْدَاً وانْهِدَامْ.

قُلْ هُوَ الحُبُ
و مَا يَنْهارُ يَنْهارُ، فَمَا بَعْدَ العَرَارْ
غَيْرُ مَجْهُوْلِ الصَحَارَى وتَفاصِيلِ الفَرَارْ.
غَيرُ تَاجِ الرَمْلِ مَخْلُوْعَاً عَلى أَقْدَامِنَا،
والذِي يَبْقَى لَنَا تَقْرؤُهُ عَينُ الغُبَارْ.
والذِي لا يَنْتَهِي، لا يَنْتَهِي.
مثلَ سرّ الموتِ
والبَاقِي لَنَا مَحْضُ انْتِحَارْ.

قُلْ هُوَ الحُبُ
طَرِيْقٌ مَلَكٌ نَبْكِي لَهُ، نَبْكِي عَلَيهْ.
لَوْ لَنا فِي جَنَّةِ الأرْضِ رُواقٌ واحِدٌ.
لَوْ لَنا تُفْاحَةُ اللهِ جَثَوْنَا فِي يَدَيهْ.
كُلَّمَا أَفْضَى لَنَا سِراً أَلفْنَاهُ
ومَجَّدْنَا لَهُ الحُبَّ
و أَسْرَيْنا إِليهْ،

قُلْ هُوَ الحُبُ
كَأَنَّ اللهَ لا يَحْنُوْ عَلى غَيْرِكَ
لا يَسْمَعُ إِلاَّكَ،
ولا فِي الكَوْنِ مَجْنُونٌ سِوَاكْ.
لَكَأَنَّ اللهَ مَوجُودٌ لِكَيْ يَمْسَحَ حُزْنَ النَاسِ فِي قَلْبِكَ،
يَفّْدِيْكَ بِمَا يَجْعَلُ أَسْرَارَكَ فِي تَاجِ المَلاَكْ.
قُلْ هُوَ الحُبُ
الذِي أَسْرَى بِلَيلى
وهَدَى قَيْسَاً إلى مَاءِ الهَلاَكْ.
قُلْ هُوَ الحُب ُ يَـرَاكْ.

***

درس الأرز

1

يقال إن الأرز ذهب الحقول وفضة المأدبة. وهو أنواع كثيرة، عليك أن تختار منها ذي الحبة الطويلة. وستكون محظوظاً إذا تسنى لك العثور على النوع الغني بقدرته على الاكتناز في القِدر ساعةَ النار. فالأرز نوعان، نوع بخيل، كثيرُه في الكيل قليلٌ في الأكل، تضع منه مقدار كيلة واحدة فلا يكاد يطعم شخصاً واحداً بعد الطبخ. والنوع الآخر غني، كريم، تزيده النار ازدهاراً. تضع منه الكيلة فيمنحك ما يكفي خمسة أشخاص لما فيه من طاقة العطاء الكامنة التي تتفجر طالما إطمأنَ لك وألفَ حبك وشعر بتقديرك لطيب منبته. وسوف يشعر بك منذ لمستك الأولى وأنت تجسّ حباته، فيما تدعكه بلطف كمن يداعب طفله في المهد يعلمه العوم لكي يبدأ السباحة في الماء الوفير. وإذا أنت لم تحسن عملية الغسل ببطء الحالم، سوف تقرر مسبقاً فشلك في الغليّ، وقد لا تحصل على الأرز الأبيض الشهيّ.

2

أن تغسل الأرز الأبيض بالماء النقي ليزداد بياضاً يعني أن تمنح الفضة فرصتَها لكي تجلو حبة اللؤلؤ بعد استخراجها من صدفتها القديمة. فالماء الوفير الدافق في البداية يجعل نتيجة الطبخ رائعة، حيث الأرز المغسول جيداً يجعلك تحصل على وجبة خفيفة الروح ذكية الرائحة. ولا ينبغي أن تكون عملية الغسل روتينية، فأنت لا تغسل قميصاً، إنه الحصاد الطيب الذي تعبتْ فيه الناس والحقول وصقلته الفصول. غسلُ الأرز طقسٌ مهيب يستدعي منك أن تكون في مزاجٍ رائقٍ ولديك من الوقت ما يكفي لسرد حكاية لطيفة لطفلك لكي ينام.

تسكب كيلة الأرز في الإناء فتسمعه ينهالُ في الصفحة مثل تدفق اللؤلؤ الناعم على قطيفة. تدسُّ أناملك بحنان بين الحبات فتشعر بها مثل بشرة الرضيع الذي ولد تواً. ترفع بالقبضة الرؤوفة حفنةً وتفرج كفّك لتدع الحبات تسيل بين أصابعك مثل حليب رائب. وترى بياضاً يفضح بضع شوائب صغيرة تقوم بانتشالها في رشاقة الصائغ البارع لكي تخلّص الأرز من ذكرياته الأخيرة عن الحقل. تلقي نظرتك الوالهة على صفحة الأرز في الإناء الفسيح وتدفعه تحت الصنبور وتطلق الماء لكي يندفق فرحاً مثل أطفال يهرعون إلى ساعة المرح. وتبدأ بتقليب الأرز تحت اندفاع الماء المنتشي ليركض بين حبات ترتعش لفرط المباغتة الباهرة. فترى الماء يمور في الإناء، وحبات الأرز تتأوّد في غنجٍ والماء يتصاعد طالعاً إلى ظاهر الإناء، متعكراً مشوباً بما يشبه الرغوة الثقيلة، مفصحاً عن الكلام الأخير الذي لم يزل في ذاكرة الأرز من الحقل. تعيد تقليب الأرز براحة يدك، ثم تسكب حصيلة الغسل الأول برفعك الإناء مائلاً على طرف واحد. ثم تعيده ثانية تاركاً الماء يندفق ليملأ الإناء ويفيض عليه. عندها تدفع بيديك مطبقتين وتبدأ في الإمساك بحفنات الأرز وهي في داخل الماء وتدعكها براحتين حنونتين متحسّساً الجني الطيب وهو ينساب كطيور متناهية الصغر تطير وتحلق مابين أناملك، هواؤها الماء. وأنت تواصل الدعك دون أن تغفل عيناك، فأنت منذ الآن ملكٌ وهذه الحبات رعيتك الجديرة بالحنو والحب. الأرز في الإناء الفسيح والماء عليه مثل الرحمة تَنصَبُّ بلا توقف. طقس الغسل هذا ضربٌ من فن مداعبة حبات الأرز براحة اليدين فيما الماء يجري ويفيض. تبدأ بالدعك بضغط خفيف يقسو ثم ينحو إلى اللطف حد المداعبة. يداك تقلب الأرز مغموستان في الإناء تحت الماء، والماء يفيض ويتغير ويصفو وتذهب عكورته، فيما تواصل الدعك بلطف يتيح لك الإحساس بحبات الأرز وهي تتخلص من المادة النشوية. لترى إلى الأرز يخلع أرديته المنشاة مثل فتاة تتخفّف من ملابس عرسها البيضاء لفرح وشيك، مما يمنحك شعوراً بتحول حبة الأرز من الخشونة إلى النعومة شيئاً فشيئاً، حتى ينصرف الماء المتعكر المحمل بشوائب الحقل والصوامع.

3

لا يتوقف الغسل حتى يصبح الماء في الإناء نقياً خالياً من شوائب المادة النشوية تماماً. فإذا بدأتَ ترى الحبات تتلألأ في الماء واضحة جلية، تكون قد أوشكتَ على منح الأرز ذاكرة جديدة تتيح له الحلم بمستقبل النار الرهيفة. فليس أن تغسل الأرز من الماضي، لكن أن تضعه على عتبة المستقبل في جاهزية الجسد النظيف للحفل. وفي هذا يكمن السر الذي سيجعل الأرز بعد النار ناصع البياض وينفح المسك، طويل الحبة، متألقاً بصورة تغني الوجبة. فالطبخ لا يقتصر فحسب على الخطوات التطبيقية اللاحقة، فإن فن الطبخ يبدأ منذ الخطوة الأولى لاختيارك نوع الأرز وبراعتك في غسله بأناة ورفق، فمن الحكمة أن ترفق بالرعية لكي تمنحك المحبة.

وبقدر ما يتسنى لك الشعور بأن عملية الغسل هذه ممتعة ولذيذة، تتوفر لك فرص أكبر للحصول على أرز غاية في اللذة. فالماء ليس ترفاً بالنسبة للأرز، على العكس فأنت قد تستغني عن الماء في بعض طرق إعداد الأرز، لكنك لن تستغني عنه في الغسل. فهنا تتأسس المتعة منذ اللحظة الأولى التي تختار فيها الأرز وتضع يدك عليه وهو في الماء الجاري. فاتصال حبات الأرز بتاريخ الحقل من الأصالة بحيث تظل المادة النشوية عالقة بالحبة قميصاً يحميها ويذكرها ببيتها الذهبي الأول. ويقال إن في كل حبة أرز من المادة النشوية ما يكفي للصق تسعة من طوابع البريد الصغيرة. و أعرف شخصاً ابتكر وضع حبة الأرز ذاتها بين تروس ساعة اليد المضطربة للتحكم في الخلل الذي يؤثر في انتظام الوقت.

4

ثمة أسطورة تقول إن طول حبة الأرز أو قصرها يتصل بساعة الرَيّ ومصدر المياه التي تروى حقل الأرز. فإذا كان المزارع قد ذهب إلى حقل الأرز ليلاً وكان قد خرج تواً من سرير زوجته وصادف أن الوقت ليلاً والقمر في منتصف الشهر وكان ساطعاً ينعكس ضوءه في صفحة الماء وهو يغمر الحقل الهادر من أعالي الأنهار المنصبة من الثلوج، سيكون هذا جميعه طالعاً حسناً من شأنه أن يمنح المزارع طفلة جميلة وحصاداً وفيراً من الأرز بحبات طويلة وناصعة البياض. وسوف يعتقد المزارع في كل ذلك نذراً ناجزاً يتوجب عليه أن يؤديه في أول أيام الحصاد، حيث يمنح أول شخص يعبر الحقل مقدار تسع كيلات من الأرز تيمناً بحسن الطالع. ويقال إنه إذا صادفَ وكان أول العابرين امرأة، سيكون على المزارع أن يختار أحد أمرين، إما أن يقتل المرأة أو يتزوجها وإلا فسد حصاده كاملاً في الليلة التالية. وثمة من قال إنه، مع تقادم العهد بهذه الأسطورة، لم يعد هناك فرق بين زواج المزارع من المرأة وبين قتلها، فبعضهم يزعم أن بعض الزواج ضرب من القتل. والمزارع في سبيل حصوله على حصاد من الأرز ذي الحبة الطويلة الناصعة البياض، سوف يفعل كل شيء. فمادام الماء الوفير يغمر الحقل فكل شيء في سبيل ذلك سيكون مباحاً، قتل امرأة أو الزواج منها.

من هنا نرى كيف أن الماء الوفير سيكون ضرورياً وحاسماً في مراحل عديدة من رحلة الأرز، منذ ساعة البذار حتى لحظة النار، ثم على المرء، بعد ذلك، أن يجتهد لأن يتخلّص من نسبة الماء قدر الإمكان في اللحظات الأخيرة من إعداد الأرز للأكل، فكلما كان الأرز معتدل الرطوبة، فيه من الماء ما يكفي فقط لأن يجعله ندياً لامعاً ببياضه زاهياً ومُزَهْزَهاً، كلما توفر لنا طعامٌ لذيذ، يشتهي الشخصُ معه أن يتذكر جيداً شعور ملامسة تلك الحبات الناعمة بين راحتيه وهو يغسله في الماء الجاري. ويبقي أن نستعد للحظة النار الرهيفة.

****

للشاعر

  • البشارة- البحرين- ابريل 1970
  • خروج رأس الحسين من المدن الخائنة- بيروت- ابريل 1972
  • الدم الثاني- البحرين- سبتمبر 1975
  • قلب الحب- بيروت- فبراير 1980
  • القيامة- بيروت- 1980
  • شظايا- بيروت- 1982
  • انتماءات- بيروت- 1982
  • الجواشن- (نص مشترك مع أمين صالح) – المغرب- 1989- دمشق 2004
  • يمشي مخفوراً بالوعول – لندن- 1990
  • عزلة الملكات- البحرين- 1992
  • نقد الأمل- بيروت- 1995
  • أخبار مجنون ليلى (بالاشتراك مع الفنان ضياء العزاوي) البحرين– لندن 1996
  • ليس بهذا الشكل ولا بشكل آخر- الكويت- 1997
  • الأعمال الشعرية- (مجلدان) المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت- 2000
  • علاج المسافة- تونس 2000- بيروت 2002
  • له حصة في الولع- بيروت – 2000
  • المستحيل الأزرق- كتاب مشترك مع المصور صالح العزاز- (ترجمة: فرنسية- عبداللطيف اللعبي/ انجليزية- نعيم عاشور) 2001
  • ورشة الأمل- (سيرة شخصية لمدينة المحرق)- بيروت 2004- القاهرة- 2007
  • أيقظتني الساحرة (مع ترجمة انجليزية- محمد الخزاعي) بيروت- 2004
  • ما أجملك أيها الذئب- بيروت- 2006
  • لستَ ضيفاً على أحد – بيروت 2007
  • فتنة السؤال 2008

Web: www.jehat.com
Email: qassim@qhaddad.com

 
السيرة الذاتية
الأعمال الأدبية
عن الشاعر والتجربة
سيرة النص
مالم ينشر في كتاب
لقاءات
الشاعر بصوته
فعاليات
لغات آخرى