مالم ينشر في كتاب

يوم في حياة "قاسم حداد"

"النهار"
الثلثاء 4 تشرين الأول 2005

يكون قد استيقظ قبيل خروجه من النوم، أو قبل تركه وسادته طويلة الليل، وربما يكون في سادسة السرير. سيكون هناك يرعى ناره الثملة التي أشعلها قبل النوم وأجّجها في الأحلام. نار سكرى لفرط المخيلة بنشاطه الرشيق.
ففي الليل لا يكون الشاعر نائما، انه يعمل.

تبدأ اليقظة بالمسارعة في ترتيب أحلامه سريعا لئلا تهرب منه ريشة من جناح أحلامه الهائمة. يرتبها مثل أرشيف في رفوف. فبمثل هذه الذخيرة يجوز للشاعر أن يعتبر نومه رائقا ونهاره جديراً بالمباهاة.
في السادسة، على الأرجح، يطير مثل مسحور من ليل السرير الى ليل المقعد بمسنده العالي حتى السديم، كمن يخرج من ليل الى ليل. ليل الكتابة هذه المرة. يطلق الضوء في شاشة جهازه الخرافي. ثمة النافذة الصغيرة تطل على المجرة كاملة في نتفة من الوقت. يسارع في ترويض ناره السكرى في أسطر بالغة القصر، كثيفة التركيز، ذكية الذاكرة، لئلا ينسى من أحلامه شيئا.

ستكون "جهة الشعر" فارهة الضوء، مكنوزة الشاشة، مزدهرة المخيلة. هذا طقس يسبق تدفق حقيبة بريده الالكتروني. وفيما الرسائل تنهال على مهلٍ رهيف المدخرات، سوف يبدأ في تصفح سريع لصحافة الصباح: المحلية أولا، ثم العربية. عناوين ما حصل الذي يؤكد ما سيحصل. يقرأ تفاصيل ما يستدعي. ويعطف بحنان على صفحات الثقافة. "السفير"، "الحياة"، "النهار"، "القدس"، "المستقبل"، "الشرق الأوسط"، "الخليج"، وباقي القائمة.

يحصل أن يصادف نصوصا ومواد أدبية تستحق لينتخب منها ما يشعر بأهمية إنقاذه من النسيان في أرشيف مجهول ليضعه في مهب كتاب مأمول، ففي "جهة الشعر" تبقى النصوص وصنائع المخيلة في متناول المستقبل.
ما يرد من رسائل سيكون زاخرا بأصدقائه وندماء "جهة الشعر"، غالبا ما يكون من بين الوارد أسماء تكتب له للمرة الأولى. فرحه بها سيكون مميزاً. كل صديق جديد يشكل نافذة جديدة على ما لا يعرف ولا يدرك ولا يطال بدون صديق جديد عند كل منعطف. ثمة سبب جديد لاحتمال الحياة.
يسمع الحركة تدب في الدار. مهيار (ابني الصغير) عادة ما ينهض أكثر بكورية، لكونه منهمكاً (الشهرين الأخيرين) في كورس عمل صيفي في شركة النفط بتنظيم من جامعة البحرين للتدريب على التخصص الذي يتخرج منه مهيار العام الوشيك: هندسة ميكانيكية. يمر يلقي تحية الصباح فيما يأخذ رشة عطر من الزجاجة المشاعة في رفّ المكتبة، يحصل هذا كلما فرغت زجاجة عطره.

بعد قليل تبدأ حركة محمد (ابني الأكبر) في غرفته المجاورة لمكتبي يستعد للذهاب الى مشاغيل عزيزة انتظرها سنوات: مناسبة خطوبته، وقد أخذ إجازة خاصة من عمله (في جامعة البحرين) لهذه المناسبة. يجوب مجرات العالم يوميا لانتقاء ما يليق بتأثيث الحلم. أشعر بغبطة من يصقل ألوان لوحته الجديدة. لن ينسى رشة العطر هو الآخر: خطوبته الوشيكة على ميسم تمنح العائلة فرحاً جديداً.

أرقب هذه التجربة بارتباك كبير. الأبناء يكبرون ويجبروننا على الزمن. شخصياً لا أجد نفسي ملزماً "ذلك". تجربتي مع ابنتي البكر طفول منحتني شباباً جديداً، وعندما جاءت الحفيدة أمينة صار العمر في أوله.
ماء الصباح نعمة قبل أن تنال منه شمس الصيف الصباحية، أحبه بارداً ينعش الجسد. حصة الماء صباحاً تضاهي بقية النهار. فبعد درس الماء، سوف أعود سريعا الى الكتابة. لكن في حياة الكاتب، ليست الكتابة هي فقط. ثمة الحياة. فالكتابة هي فن الحياة أيضا. كل يوم من الأسبوع سيقترح شكلاً لا بأس به من الحياة.

يحلو لي أن أؤثث يوم العائلة شخصياً، بقيادة أم طفول. يحلو لي، مثلاً، أن أجعل يوم السمك مميزا في كل مرة. ففي البحرين لدينا نعمة قديمة (بأمل أن لا يفسدها مصلحو الكون هذه الأيام) لا أفرط في جعلها من متعي اليومية القليلة. فكلما شاهدت البحرين في طريقي شعرت باطمئنان بأني لا أزال أستطيع أن أحصل على أكلة سمك طازج غداً. لكني سرعان ما أقرر أن غداً بعيد جداً، اليوم أفضل. فأترك كل مشاغلي وأخربط برنامجي وأصرف النظر عما كنت ذاهباً إليه. وأتوجه مباشرة الى سوق السمك في "سترة"، حيث يتاح لي هناك دائما العثور على سمك جاء من البحر تواً. القصيدة يمكن أن تنتظر، السمك الطازج لا ينتظر.
منذ وعيت على البحر، وأنا لا أأكل سمكاً قديماً (القديم عندي هو الذي لم يجر اصطياده اليوم). ولكي استمتع بوجبة السمك لا بد أن أشتري السمك بنفسي من السوق، وأن أتأكد من كونه طازجاً طرياً ألمسه بيدي، وأعرف (مثل كثيرين في البحرين) بسهولة ما إذا كان السمك من صيد اليوم أو من صيد أمس.
عندنا، السمك الذي يأتي الى السوق من البحر في اليوم نفسه لا يعتبر سمكاً "ميتاً".

لا لأنه ليس كذلك، ولكن لأن طزاجته ستكون متألقة إلى هذا الحد. أكثر من هذا سيكون مألوفاً أن تقف في السوق أمام بعض أصناف السمك وهو يتقافز في قفيرته كأنه في بحيرة صغيرة. حيث يكون لا يزال حياً بالفعل وليس بالافتراض، وهذا بالضبط ما يجعلنا نشعر بحياة السمك حتى لو بدا هامداً لكنه طازج لا يزال محتفظاً بلمعة عينيه الفذة.
لا يستطيع أي أديب، بمخيلته النشيطة، أن يصف سمكاً على هذه الدرجة من القدرة على الذهاب عن البحر محتفظاً بجماله وحيويته.
كـأن حياتنا هي التقليد المرتبك للبحر وكائناته.

(خاص بـ"النهار")
الثلثاء المقبل "يوم في حياة" سام هاميل.

 

السيرة الذاتية
الأعمال الأدبية
عن الشاعر والتجربة
سيرة النص
مالم ينشر في كتاب
لقاءات
الشاعر بصوته
فعاليات
لغات آخرى