عن الشاعر وتجـربته

مقالات

تنوع الشكل الشعري وتحولات الأسلوب واللغة
في تجربة قاسم حداد

فخري صالح

نعثر في عمل قاسم حداد الشعري على جملة من التحولات التي تمس لا شكل القصيدة فحسب وإنما الرسالة الشعرية والعلاقة بالقارئ وسياق الكتابة. وما بين مجموعته الشعرية (البشارة) (1970) وعمله الشعري المركب (قبر قاسم) (1997) ثمة مسافة حقيقية تفصل الشاعر البحريني، الذي بدأ متأثراً كغيره من الشعراء الطالعين في الستينات ببدر شاكر السياب، عن منجزه الشعري الذي حققه في مجموعاته الأخيرة. وقد طالت التحولات الشكل والأسلوب واللغة والنظرة والعالم الشعري فانتقل شعر قاسم من وضوح القول والمباشرة وتلازم التعبير الشعري والغايات الإيديولوجية الى غموض اللغة والتعبير الأسطوري وتوليد عوالم يختلط فيها الفردوسي بالجحيمي والشخصي بالجماعي.

في مجموعاته الأولى، (البشارة) و(خروج رأس الحسين من المدن الخائنة) (1972) و(الدم الثاني) (1975) يغلب على شعر قاسم التعبير المحمل بالإيقاع السياسي والاجتماعي لتلك المرحلة المتفجرة بالأحداث والمثقلة بالتطلعات. وقد كان قاسم حداد واحداً من الشعراء الطليعيين، لا في الخليج العربي فقط بل في الوطن العربي كذلك; وهو منذ بداياته في مطلع الستينات قام بتمثل التطويرات الشكلية في القصيدة العربية الجديدة وراح يصب في الشكل الجديد رغبته في التغيير وطاقاته التعبيرية التي تفيض عن إيقاعات الشكل الجديد. وبغض النظر عن غلبة أصوات الرواد في بدايات قاسم حداد فإن هم الشاعر يتلخص في التلويح بالبشارة والغد الآتي; أي ان الشكل الشعري يتحول الى قالب تعبيري، الى مجرد أداة تنقل الى المتلقي أشواق الشاعر وتطلعه الى مستقبل تتحقق فيه الأحلام السياسية التي ينهض عليها شعره. ونحن نعثر في قصيدته (خروج رأس الحسين من المدن الخائنة) على تناص واضح مع قصيدة السياب (أنشودة المطر) حيث يعيد حداد ترتيب سياق بيت السياب الشهير (ما مر عام والعراق ليس فيه جوع) ليصبح: (ما مر عام والخليج ليس فيه جوع) في نوع من تعميم الحالة العراقية على الخليج كله.

ما قصدته من إيراد المثال السابق من شعر قاسم حداد، في تلك المرحلة المبكرة من تجربته الشعرية، هو أن أنبه الى طبيعة اختياراته الشعرية والسياسية والاجتماعية، وهي ذات طبيعة متداخلة ان على صعيد الشكل الشعري أو على صعيد الالتزام بالثورتين السياسية والاجتماعية. لكن ذلك دفع حداد الى تقليص بحثه الشعري وحفره في اللغة وفتح الأفق أمام خياله ليتآلف التعبير مع الأسطورة. وهو ما سنجده في مجموعاته الشعرية اللاحقة التي استطاع ان يجد فيها صوته الخاص.

إذا انتقلنا الى المرحلة التالية من تطور تجربة قاسم حداد، في مجموعتيه (قلب الحب) (1980) و(شظايا) (1981)، فسنجد تحولاً واضحاً بل انعطافة مركزية في رؤية الشاعر. ثمة في هاتين المجموعتين اعتماد كامل لشكل قصيدة النثر. وإذا كان الشاعر قد استخدم النثر ليطعم به شكل التفعيلة في بعض قصائد مجموعاته السابقة فإنه هنا يختار النثر متحرراً من اكراهات الإيقاع والقافية، ويطلق طاقاته التعبيرية في أناشيد حب أو قصائد توقيعات تقترب في عوالمها من قصيدة الهايكو. ويمكن عد قصيدة (تحولات طرفة بن الوردة) (من مجموعة (الدم الثاني)) انطلاقة واثقة لحداد في اتجاه مزاوجة الشكلين الإيقاعي والنثري في تجربته التي ستعتمد في صورة متواترة هذا الصنيع الشعري الذي يسعى الى الاستفادة من الأشكال الشعرية المتعددة لخدمة غاياته التعبيرية ضمن العمل الشعري الواحد.

أما (قلب الحب) فهي أغنية حب طويلة مقسمة الى مقاطع، أو قصائد قصيرة تستثمر طاقات النثر وإمكاناته التعبيرية واشتماله على لغة المجاز والتعبير المباشر واسترسال السرد، وهو ما سيشكل انفتاح العمل الشعري لدى قاسم حداد على آفاق لم يعرفها شعره سابقاً. لكن التطور الحقيقي في شعر حداد يحصل في مجموعته (شظايا) التي نعثر فيها على عوالم واهتمامات أدونيسية، سواء في حقل اللغة الشعرية أو طبيعة بناء الجملة الشعرية أو تصعيد الخيال الشعري وصوغ وصف ميتافيزيقي أو حسي للأشياء والعالم. والأهم من هذا التجاذب الذي يحصل مع تجربة أدونيس (يهدي حداد هذه المجموعة الشعرية الى (مهيار) هو استخدام حداد لقصيدة التوقيعات، أو اعتصاره لشكل الهايكو أو القصيدة شديدة القصر التي تصوغ صورة شعرية محكمة أو تعبر عن موضوع واحد وتستخدم أسلوب الضربة النهائية كما في العمل الموسيقي.
وهاكم بعض الأمثلة:

* ان اختلف مع الجرح
على أن أأتلف مع السكين

* هذا الرعب المهيمن على روحي
ورثته من طرقة الباب في الليل
الطرقة التي لا موعد لها
ولها كل المواعيد

* بدأت
وحيداً
ولم أزل

* محاصر بالرمح...
والرمية

* رجراجة هذه الأرض
أين أضع قدمي?.

لكن قاسم حداد لا يغادر شكل التفعيلة الى شكل قصيدة النثر إذ يكرس مجموعتين شعريتين لقصيدة النثر، بل هو يعود بين المجموعتين لاستثمار شكل التفعيلة (في (القيامة)، 1980)، ثم (انتماءات) (1982)، وهما تعتمدان في صورة أساسية شكل التفعيلة وتستثمران الطاقات التي يتيحها، وتغوصان على ذاكرة هذا الشكل وما راكمه الشعراء الرواد، ومن بعدهم، في ميراث قصيدة التفعيلة. وقد تجلى ذلك كله في قصيدة (أوراق الجاحظ الصغيرة) التي تعد واحدة من أفضل القصائد التي أنجزها حداد في مسيرته الشعرية فهي تفتح تجربته على أبرز ما فيها:
الطاقة الإيقاعية الخلاقة، المرونة في الشكل، الانتقال بين الكتل الإيقاعية ببراعة فائقة، الانتقال بين الأزمنة; وأخيراً: الاستفادة بصورة خلاقة من شكل قصيدة التوقيعات والهايكو في نص يزاوج بين الطول والقصر، والسرد والتعبير الكثيف. ولعل هذا النص يمثل ذروة انجاز قاسم حداد في مزجه الموفق بين خصائص القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وما يتحدر من إمكانات تعبيرية تتيحها قصيدة النثر العربية وغير العربية.

في مرحلة تالية من مسيرته الشعرية يراوح قاسم حداد بين شكلي التفعيلة وقصيدة النثر، فهو يزاوج في مجموعته (يمشي مخفوراً بالوعول) (كتبت عام 1982 ونشرت عام 1990) بين التفعيلة والنثر آخذاً الشكل الى نهاياته التعبيرية حيث تطول السطور وتقصر، ويتكثف التعبير، أو تستدير السطور الشعرية لاهثة في إيقاع محموم، أو يغزو النثر الشكل الإيقاعي للقصيدة. ويمكن ان نطلق على هذه المرحلة من تجربة قاسم الشعرية (حيرة الشكل) لكنها حيرة تجعل الشاعر يستفز كل ذخيرته الشعرية ليكتب نصوصاً منداحة لا شكل لها أحياناً وان كانت تستثمر أشكالاً كثيرة.

لها كل ما تشتهي
والفارس يتشبث بلجام الحرب والحسرة، لا يصل
يمسح أحجار الطريق
خائفاً هارباً يتذكر أحلامه
لها كل ما تشتهي فأعدوا لهم ما استطعتم
أعدوا، ولكنهم
لم يزل فارس الليل في وحشة يجتاز جيش الكلام.
احتفي بالنهايات (الأعمال الشعرية، المجلد الثاني، ص: 71).

لكن إذا كان حداد يراوح في (يمشي مخفوراً بالوعول) بين التفعيلة والنثر، أو يمزج بينهما، أو يعجنهما معاً فإنه يعود في معظم قصائد (عزلة الملكات) (1992) الى شكل قصيدة النثر الذي يتيح له قدراً من الصفاء الأسلوبي الذي لا يحققه الشاعر في قصائده الموقعة. ومع ان قاسم يجرب أدواته التعبيرية باضطرام أكبر، ولغة أكثر ثراء وغوصاً على غموض الوجود والإنسان، في قصائده التي تلجأ الى الإيقاع الدافق، الا انه في شكل النثر يبدو أكثر وضوحاً ووقوعاً على موضوعاته الشعرية، وألصق بالتيار الراهن في القصيدة العربية حيث قصيدة النثر، بتجلياتها وطاقاتها التعبيرية الفسيحة وميلها الى القصر والكثافة والسرد، هي السائدة بين جيلي السبعينات والتسعينات. ان قاسم حداد، المنتمي الى جيل الستينات عمراً وتجربة شعرية، يظل الأقرب من بين مجايليه الى هذين الجيلين، ولا تمنعه عن هذا القرب حيرته بين الأشكال ونوسان تجربته بين طاقة الشعر الإيقاعية الدافقة وغنى شكل قصيدة النثر التي تستفيد من الترجمات ونثر المتصوفة والكتابة الحوشية (كما في عمل الماغوط)

ينتقل الشاعر في (قبر قاسم يسبقه فهرس المكابدات تليه جنة الأخطا)
(1997) الى صيغة كتابة يتجاور فيها النثر والشعر، والسرد والتعبير الخاطف، والإيقاع الصاخب والتعبير النثري الخافت، واللغة الشذرية والتعبير الشعري المنداح المتدفق الذي ينطلق بلا هدف أو غاية في كتابة بلا مركز. وهذه بعض الأمثلة: * ذاهب لترجمة الليل.

* المخفي... يخيف.

* ناس الغابات
يعيثون فساداً في البيت.

* سيكون عليهم تنظيف التاريخ من الدم
سيكون عليهم غسل كلامهم من الكذب
سيكون عليهم تأنيب القتلى في كفن مستعمل
سيكون عليهم تحرير الصمت من الأحجار.

وسوف نصادف في هذا الكتاب الشعري المركب نصوصاً تأخذ شكل الكتابة النثرية التي تتتابع فيها السطور، ويتوالى فيها السرد، لكنها لا تمتلك وضوح النثر وغاياته الافهامية فهي بذلك ألصق بالشعر وعوالمه التخييلية وطبيعته الاستعارية. وبذلك تصل تجربة قاسم حداد الشعرية الى مفصل أساسي من عملية التجريب النصي حيث يرتاد شعره أصقاعاً من التعبير تثري مسيرته الشعرية وتجعله يغوص عميقاً على عوالم المعنى واللامعنى التي تنوس بينهما رؤيا الشاعر البحريني البارز.

 
السيرة الذاتية
الأعمال الأدبية
عن الشاعر والتجربة
سيرة النص
مالم ينشر في كتاب
لقاءات
الشاعر بصوته
فعاليات
لغات آخرى