عن الشاعر وتجـربته

دراسات

الخطاب النقدي عند قاسم حداد و صلته بتجربته الشعرية

الكاتب / د. عبدالله أحمد المهنا

" التجريب بذرة الإبداع،
نقدر الآن أن نستحضر
كافة منجزات الإبداع الشعري
وصهرها في موقدنا،
وإنضاجها يلهبنا،
نزعم ذلك بكل وقاحة"
قاسم حداد وأمين صالح

(1)


يعتبر الشاعر البحريني قاسم حداد (1948 م -.....) واحداً من أبرز الأصوات الشعرية التي ظهرت على الساحة الثقافية في البحرين خلال الربع الأخير من هذا القرن، وقد أتاحت له موهبته الشعرية المتكئة على المغامرة الإبداعية في التجريب الشعري المتجاوز لكل أشكال الموروث والمكرس أن يؤسس لنفسه قاعدة شعرية تكرست جذورها من خلال توالي إنتاجه الشعري بصورة متصلة، واتصاله بجماعة "مجلة كلمات" 1 ، التي تعتبر من أهدافها الرئيسية "اقتحام آفاق التجربة، والتجريب بعناصر الموهبة والمعرفة.. واكتشاف الإمكانات الإبداعية التي توفرها تعددية الرؤية ". 2

في هذا المناخ المنفتح على آفاق التجريب، وما تحمله تلك الجماعة الأدبية من أفكار ورؤى حداثية، واصل قاسم حداد تجاربه الشعرية الجديدة باندفاعة أكبر مكنته من التأسيس لرؤى وأفكار جديدة تشكلت في نهاية الأمر في صيغة خطاب نقدي يعد الأول من نوعه، لا في البحرين فحسب بل في منطقة الخليج أيضاً، إذ لم تعرف المنطقة صيغة خطاب نقدي يوجه التجارب الإبداعية إلى استلهام روح العصر، ومساءلة الثوابت والأشكال الإبداعية التي فرضت هيمنتها على المبدع عبر العصور، والدعوة إلى التمرد عليها ونبذها ومهاجمة من يرتضيها أسلوباً للإبداع كما يتجلى ذلك في بيان "موت الكورس" الذي أصدره قاسم حداد، وأمين صالح في البحرين في شهر ديسمبر عام 1984.

وتحاول هذه الدراسة أن تناقش العلائق المتواشجة بين صيغة هذا الخطاب النقدي، الذي يكاد يكون تجربة نقدية للممارسة الإبداعية التي تحاول أن تفرض وجودها على واقع منفتح يموج بكل أشكال الثقافة الوافدة، وبين طبيعة التجربة الإبداعية التي يصدر عنها قاسم حداد، وروافدها التي تمدها بأسباب الحياة.

ولعل من المهم قبل الخوض في مناقشة تلك العلاقة بين هذا الخطاب النقدي والتجربة الشعرية عند قاسم حداد أن نتوقف عند المرتكزات الأساسية، والعناصر الجوهرية التي ينطلق منه الخطاب لإثبات شرعية ما يدعو إليه في محيط يغلب عليه التمسك بالقديم والمورثات التقليدية المكرسة، التي يعد الخروج عليها مروقاً على القيم والثوابت البديهية وتتلخص أفكار البيان في النقاط التالية :

1.
ليس النص الأول نموذجاً، ولا سطوة له على المخيلة، علينا أن نكسر صوت الجوقة في مدح النص الأول.
2.
لا نبحث في السطح بل نحاول اقتحام الباطن.
3.
الإبداع مساءلة دائمة للواقع، لذا يستهوينا استجواب الواقع.
4.
الوقع إيقاع يتشكل داخل لحظة الكتابة.
5.
النص يكتب اللغة، نهذي قليلاً ليبدأ نظام الفوضى يخترق حاجز المعنى والمعجم والمستنقعات.
6.
الكتابة نقيض الكلام والكلام لسان الواقع، والكتابة هذيان الحلم وتجليه في آن واحد.
7.
التجريب بذرة الإبداع، نقدر أن نكتب تجربتنا بشروطنا وعناصرنا الذاتية.
8.
نقف خارج دائرة التيارات والمدارس، لا نتبع راية.
9.
الكاتب ليس عبداً للأشكال، بل خالقاً لها. نسعى إلى شكل يكون بديلاً أو عدو لما سبق ابتكاره وترسيخه.
10.
ضد القارئ الذي يبحث عن الحلول والتفسير والثورة في كتاب لينام رائق الذهن على سرير مريح 3.

هذه هي أهم الأفكار الواردة في البيان الموقع من شخصيتين بارزتين في مجال الإبداع الحداثي، وهما قاسم حداد، وأمين صالح.

ولعل أول ما يلاحظ على هذا البيان، الذي تبلغ مساحته الورقية ثمان صفحات أنه قد صيغ بلغة ثورية، رافضة لكل شيء سابق عليها، تبلغ أحيانا حد الاستفزاز والتعالي والازدراء للآخر الذي لا يتفق مع منطلقاتها أو تصوراتها للإبداع الذي ينبغي أن يكون عليه المبدع في حواره مع الواقع الذي يسائله. ولعل هذه الثورة المفرطة و"النحن" المتضخمة في هذا البيان تعود إلى إحساس المعوقين على البيان أنهما في مواجهة إرهاب فكري وثقافي يمارسه الأنموذج السائد ضد الإبداع الجديد، فيقابلانه حد تعبيرهما بمثله "إرهاب فكري نحاربه بالإفراط في التجريب، بدورنا نحارب النظام بالفوضى، المنطلق بالغموض، البناء بالتجريب، الأشكال والمضامين القديمة، بالأشكال والمضامين الجديدة" 4

وأحسب أن إثارة المشكلات المأزقية مع الثقافة المهيمنة، وإثارة الغبار في وجهها والتمرد عليها، واقتلاع جذورها إن أمكن ذلك، وإهالة التراب على بقاياها، كلها كما تبدو وسائل إثارة للفت الانتباه إلى الإبداع الجديد الذي يبحث له عن موقع يضع فيه بذور أشجاره في غاية ممتدة من أشجار الإبداع السامقة عبر تراكمات الزمن، وإلا فما الذي يمنع من التصالح مع الثقافة السائدة واستيعابها فهماً وتمحيصاً ثم تجاوزها بالإبداعات الخاصة، يضيف فيها اللاحق على السابق إبداعاً يتناغم معه في سلم التطور الإبداعي من غير أن يحدث التصادم، فالقديم لا سلطان له على الحديث إلا بمقدار عجز هذا الحديث عن فهم متطلبات المرحلة التي يعالجها، وعدم القدرة على الرد على التساؤلات التي تثيرها الممارسة الإبداعية في إطار العلاقة الشخصية للإنسان والكون 5 ولكن علينا أن نتذكر من جانب آخر أن الحداثة في جوهرها ترفض المصالحة أو المهادنة مع السائد والمكرس بل تهاجمه دون هوادة أو توقف مدفوعة بزخم وقتها دون توقف أو تتردد إذ في هذين الأخيرين يكمن عطبها وموتها، ولذا تنشأ الحداثة هجوماً لا مصالحة، ومساءلة لا جواباً، قلقاً لا اطمئناناً، انتقالاً من المعلوم إلى المجهول، من الألفة إلى الغرابة، من الواضح إلى الغامض " 6 ومهما يكن من أمر فإن نبرة التحدي عند موقعي البيان تبلغ ذروتها حين يدعيان على حد قولهما : " نقدر الآن أن نستحضر كافة منجزات الإبداع البشري وصهرها في موقدنا وإنضاجها بلهيبنا، نزعم ذلك بكل وقاحة " 7.

إذن فليس ثمة مشكلة مع التراث أو الأنموذج المكرس، مادام بالإمكان امتلاك آليات استدعاء كافة إنجازات الإبداع البشري، وصهرها باللون الخاص، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية هذا الصهر، ومدى حرفيته أو قدرته على إسباغ الخصوصية الحداثية على المنتج الإبداعي المراد منه زحزحة المكرس وطرده من دائرة الإبداع، وهذا ما لم يوضح البيان آلياته. وإنما تركه فضاء مفتوحاً لاختبار هذا المنتج الإبداعي من خلال الممارسة النقدية التي ينبغي أن تكون متوازية في الإبداع مع النص الجديد.

وعلى الرغم من أن البيان يستهجن إرهاب الثقافة السائدة، فإنه في الوقت ذاته يمارس إرهاب الإبداع الجديد، إذا يجعله من مهامه المعلنة "مهمتنا أيضاً أن نرعب الآخرين، بخاصة أولئك الذين ينظرون في اتجاه واحد، ويكتبون بطريقة واحدة ؟ 8 . ثم لا يلبث أن يستفز القارئ الذي يعتبر هدفه الأول من الكتابة، "ضد القارئ المستهلك.. ضد راحة وطمأنينة القارئ على حساب مصادرة حرية الكاتب "، " لا يعنينا القارئ الذي مثل الأعمى، يسألنا بعد كل خطوة عن المعنى والمغزى، هذا القارئ سنأخذه برفق، وفي صمت إلى أقرب مأوى للعجزة " 9 . إذن ما صفات ومواصفات القارئ الذي يريده البيان ؟ إنه " القارئ الذي يستجوب العالم ويستنطق الأشياء انطلاقاً من الصور الغامضة التي نقدمها إليه بين الحين والآخر.ز تماماً مثل الطفل الذي يلح وميضاً في السماء فينفجر أسئلة لا تحصى في وجه من يحيط به " 10.

هكذا يريد البيان من القارئ أن يكون طفلاً يسبح في فضاء لا نهائي من الأسئلة التي لا تفضي إلى شيء، وإذا كان مأزق القارئ المؤهل لفض مغالق الرؤية التجريدية الغامضة ينصب على معاناة فك رموز إشكالية الكتابة الجديدة، فإن طرح التساؤل عمن يتوجه إليه المبدع في كتاباته يبدو مشروعاً بل قد يصبح ضروريا وإلا تحول الكاتب إلى أن يكون سجين كتاباته، أو سابق عصره يبحث عن جيل من القراء لم يولدوا بعد.

لكن هذه المشروعية من التساؤل لا تلقى قبولاً عند موقعي البيان، بل تلقى استهجاناً يصل إلى حد السخرية والشتيمة يقول البيان :"لمن نكتب ؟ سؤال داعر، خبيث، جبان يدعو ضمناً إلى القبول، والامتثال إلى المهادنة والتملق، إلى كبح كل خروج عن المألوف، سؤال لا يعنينا بأي شكل من الأشكال، ولا نحترم من يطرحه.) 11 إذا كان السؤال، لا يعنيهم حقاً كما يقول البيان، فلماذا إذن يشغلون أنفسهم بالرد عليه وشتمه وتحقير صاحبه، أليس في هذا تناقض مع مبدأ التساؤل الذي يلح عليه البيان ؟، أليس هذا الإبداع الجديد، الذي جاء يبشر به البيان، واقعاً يقتضي مساءلته والحوار عه ؟! أم أن الحوار ينبغي أن يكون في اتجاه واحد فقط، لا يتجاوزه إلى الاتجاه المعاكس.

ويتجاوز البيان إرهاب القارئ إلى إرهاب الناقد أيضاً، فهو يرى أنه لا شأن له "بالناقد الذي يلج النص بأدوات لا تتجانس مع النص ذاته. نقبل به ونوليه اهتمامنا إذ تجرد من مواقفه ومنطلقاته واستنتاجاته وأدواته السابقة". يعني باختصار أنهم يريدون من الناقد أن يتجرد من الخبرة الإنسانية، والخبرة الذاتية، في التعامل مع الإبداع الجديد، ولكن يكف يمكن أن يتحقق ذلك ؟ فيأتيك الجواب"، أن يحمل معولاً ثقيلاً _ لن نحتال عليه بالقول إنه في منتزه _ لأنه سيجد نفسه في نفق منجم، قد يكتشف ذهباً أو حجراً، المزيد من الأحجار إذا اتكأ على مقولات ونظريات… فسوف يخوض في الممرات تائهاً ولن ننجده بل نتفرج عليه من ثقب ونضحك على ورطته ". 12 أبعد هذا تعال أو سخرية ؟!!

وثمة ملاحظة أخرى لا تقل، عن مستوى لغة البيان إثارة، ونعني بها عنوان البيان ذاته "موت الكورس" أي موت "الصوت الجماعي" بما يحمله من موروثات تقليدية تعوق عملية الإبداع وإفساح المجال لصوت جديد يلح على قيم التفرد والتميز يبدأ من نواة صغيرة ثم تتسع قاعدة هذه النواة لتشمل جماعة "مجلة كلمات" البحرانية وأن الدعوة إلى موت "الصوت الجماعي" لا تنطلق من صوت أحادي، أو فرد في مواجهة الجماعة، بل جماعة في مواجهة أخرى تختلف معها في القيم والتقاليد، ويتجلى ذلك حتى في صيغة البيان الذي يلح على الصوت الجماعي، في سياق دعوته إلى موت "الصوت الجماعي" للآخر، من خلال استخدام نون الجمع التي بلغت كما لاحظ ذلك سعيد السريحي مائة وأربعاً وخمسين مرة. وهذه كثافة أسلوبية في "البيان" تعمق من قيمة الإحساس بالصوت الجماعي المناهض للآخر. 13

إن هاجس الآخر المناهض، والمناهض مستكن في بيان " موت الكورس" إنهم على حد تعبير سعيد السريحي : " هنا وهناك موجودون يحاصرون الذين يحاصرونه ينبثون بينهم يخترقون صفوفهم يشكلون تجمعاتهم التي تنذر بسادتهم القادمة " 14 هكذا يرهص سعيد السريحي بسيادتهم، أي بحتمية انتصار "الكورس" الجديد.

ورب قائل يقول : إن الدعوة إلى "موت الكورس" والتجسد في النهاية "بكورس مضاد" سيؤول في النهاية إلى موت "الكورس الجديد" لانشغاله بتكريس ما يدعو إليه من قسم جديدة تجسد الدعوة في قوالب ونماذج جامدة، لا تلبث أن تحتذي وتقلد باعتبارها نماذج عليا في الدعوة الحداثية، وهذا أخطر ما يواجهه الخطاب النقدي، بوصفه حافزاً إلى التمرد والاستفزاز، وقد تنبه الناقد ارفنج هاوIrving How إلى هذا المأزق فقال : "إن الحداثة لا تستعيض عن الطريقة الرسمية السائدة بطريقة أخرى، لأنها تتنكر لدعوتها لو فعلت ذلك، وسيؤدي ذلك إلى توقفها عن أن تكون حديثة، وعلى هذا تطرح الحداثة نفسها باعتبارها إشكالاً يستعصي على الحل نظرياً.. ويتمثل هذا الإشكال في أن الحداثة تناضل بدون توقف غير أنها لا تنتصر أبداً، بل عليها أن تناضل حتى نفسها بعد فترة حتى لا تنتصر، لأن الانتصار يعني النهاية 15 ولم تكن هذه الإشكالية التي يثيرها "هاو" بعيدة عن وعي موقعي البيان، فقد تنبها إلى هذه المأزقية التي قد تهدم فكرة الحداثة من جذورها فدعوا إلى حرية الكاتب في اختيار النموذج الشكلي الذي يتوافق مع طبيعة تجربته الشعرية، فالكاتب عندهما "ليس عبداً للأشكال بل خالقاً وخائناً لها في آن واحد، كل شكل يصير قفصاً في اللحظة التي يثبت فيها ويستقر جئنا لنلهو بالأشكال، نبتكر شكلاً لنحطمه في اليوم التالي، هكذا نبارك حرية الكاتب الداخلية ونمجد سطوته على مخلوقاته ". 16

لكن ثمة سؤال يطرح في سياق هذه الإشكالية الحداثية، هل يا ترى حقاً يسعى بيان "موت الكورس" إلى تكريس صوت جماعي، ذي سمات فارقة، يكرس روح المغامرة الإبداعية، في الوقت الذي يدعو فيه إلى موت الصوت الجماعي التقليدي ؟، وهل تكفي الإشارة إلى نون الجمع المنبثة في أنسجة الخطاب أنه يسعى إلى تأسيس صوت آخر ؟ ألا يمكن اعتباره صوتاً أحادياً يؤسس لتمايز نوعي أحادي على نطاق واسع يراوغ فيه تكريس الصوت الجماعي التقليدي، ليتحول هذا الصوت الأحادي إلى أن يكون وحده هو الصوت الجماعي في نهاية المطاف، بما يكتشفه هذا الصوت من تجارب جديدة، ومتنوعة في الإبداع، تعلو على الصيغ الجامدة والثابتة، بحيث تصبح روح المغامرة الحداثية هي الصوت الأحادي الممتد بلا نهاية عند المبدع القادر على اختراق سكون الثوابت، وابتداع الجديد، وأنه في النهاية لا يعدو أن يكون مفرداً في صيغة جمع ! أليس هذا ما قد يمكن فهمه من بيان "موت الكورس" ؟ ربما يكون الأمر كذلك، وقد لا يكون، غير أن الصوت الجماعي، على أية حال، لا يجد قبولاً من بعض النقاد، فسارتر على سبيل المثال لا الحصر يرفض أن يكون الشعر صادراً عن صوت جماعي " يقول سارتر : "وتستطيع إذن أن ندرك في يسر مدى حمق يتطلب من "الشعر أن يكون التزامياً.. فالشاعر بعد أن يصب عواطفه في شعره ينقطع عهده بمعرفتها... فلم تعد الكلمات تدل عليها حتى في نظر الشاعر " 17.

وإذا كان بيان "موت الكورس" يعتبر أول خطاب نقدي يظهر على الساحة الثقافية في الخليج في مطلع الثمانينيات ينطلق من مفاهيم حداثية معاصرة، فإنه حتماً ليس أول خطاب نقدي على الساحة الثقافية العربية فقد سبقته في هذا المجال خطابات أخرى من أهمها "بيان الحداثة" لأدونيس عام 1979، بيان الكتابة لمحمد بنيس عام 1980، ومن الطريف أن بيان "موت الكورس" قد ضم إلى هذين البيانين في إصدار واحد، صدر عن مجلة "كلمات" عام 1993م، تحت مسمى "البيانات" بوصفها جميعاً تحمل رؤى مشتركة في توجيه الإبداع الحداثي في الشعر، والعمل على تأسيس الحساسية الجديدة للكتابة.

وإذا كان هناك من يرى في هذا البيان "محاولة لبلورة مفهوم الخطاب في الدرس النقدي على نحو لا يغدو بعده الخطاب درساً نقديا.." 18 فإنه من الصعب الدليل على أن مفهوم الخطاب النقدي يملك آليات وأدوات الدرس النقدي القادر على ارتياد آفاق العمل الإبداعي، والكشف عن أغواره، وإبداعاته بإبداع آخر يتوازى معه، لأن الخطاب النقدي، يقف عند مستوى التنظير، ولا يملك أدوات اختبار هذا التنظير، وإنما يأتي الدرس النقدي بكل آلياته ليختبر مدى صدق هذا الخطاب، وانسراب عناصره في الأعمال الإبداعية، وعلى هذا فليس ثمة تعارض بين الخطاب والدرس النقدي، وإلا ستبقى دعوته إلى التغيير مطلقة من غير اختبار لصدقها، أو حتى اختبار مدى صدق حساسية المرحلة التي أفرزتها تجاه التقاليد والأشكال الراسخة في النظام السائد.

وعلى الرغم من أن بيان " موت الكورس" يحاول أن يؤسس له خصوصية معينة تنبع من واقعه الثقافي الذي تتسارع فيه إيقاعات الحياة بصورة مذهلة أزالت فيها كل الحواجز المعرفية التي تحد من التفاعل مع الثقافات الأخرى، فإني أعتقد أن البيان في جوهره _ لا في لغته أو أسلوبه _ لا يبعد كثيراً عن بيان الحداثة لأدونيس، وإن كان بيان أدونيس أكثر رصانة، وأرقى حواراً في تعامله مع النص المضاد، فالحديث عن الرؤيا والحدس والغريزة والحلم والباطن في تشكيل التجربة الشعرية، والحديث عن مساءلة الواقع والحديث عن ممارسة الكتابة الإبداعية وقوانين التعامل معها، والحديث عن الكشف، أو الاكتشافات، للوصول إلى الخفي بقوة الحلم والمخيلة، والحديث عن اللغة الإبداعية، اللغة الطفل، وصهر العناصر أو التجارب المستخدمة في بوتقة نار الإبداع وإكسابها خصوصية المبدع، كل هذه العناصر الواردة في هذا البيان تستمد جذورها من كتابات أدونيس في "بيان الحداثة" 19 ، ومن كتابيه "زمن الشعر" و"فاتحة لنهايات القرن" "غير أن ما يميز هذا البيان عن آراء أدونيس هو الموقف من التراث أو النص الأول نموذجاً حسب تعبير البيان، فالحداثة عند أدونيس لا تعني القطيعة مع التراث، بل تنبثق من قديم هي في تعارض معه بمعنى أن فهم القديم وتمثله، وسيلة لتجاوزه، ولذا يؤكد أدونيس على هذا المفهوم حين يقول : "إن حداثة الشعر العربي لا يصح أن تبحث إلا استنادا إلى اللغة العربية ذاتها وإلى شعريتها وخصائصها الإيقاعية التشكيلية وإلى العالم الشعري الذي نتج عنها " 20 . فالموقف عنده كما نرى ليس قطعة آلية أو مطلقة مع اللغة أو التراث، وإنما قطيعة جدلية لا يترتب عليها أن تفقد اللغة ذاكرتها التراثية، وإلا تحولت إلا انقطاع وانعزال وشطح واغتراب متعال عن حقائق الواقع والحياة 21 ويفترق صاحبا البيان في هذا المفهوم عن أدونيس في نظرتهما إلى النموذج السائد. إنهما يدعوان إلى الثورة على كل شيء والتحرر من كل شيء، "نسعى إلى التحرر من القوانين والمفاهيم التي تؤطر وتحدد كل كتابة. جئنا لنلهو بالأشكال، نبتكر شكلاً لنحطمه في اليوم التالي" 22.

هكذا يتبلور مفهوم الحداثة، في نهاية المطاف، عند قاسم حداد، وأمين صالح ليصبح كتابة بلا مرجعية تستند إليها، ولا قوانين تؤطرها، وأشكالاً فنية تبتكر اليوم لتحطم في اليوم التالي، في محاولة منهما لارتياد آفاق جديدة من الاكتشافات والسعي وراء مطلق لا غاية له، ولا نهايات مميزة 23 ومن الجدير بالذكر أن معظم كتابات قاسم حداد النقدية اللاحقة لهذا البيان تنطلق من ذات المفاهيم الحداثية التي يعالجها البيان، فكأنها ليست إلا تفريعات إضافية تفصل ما أجمله بيان "موت الكورس" وتعكس في الوقت ذاته تطور أفق التجربة النقدية عند الشاعر في دعوته للحداثة الشعرية. ومهما يكن من أمر فإن هذه الدعوة الحداثية للتجريب لم تصدر عن فراغ وإنما سبقتها محاولات من التجريب المتواصل في الإبداع الشعري _ كما قلنا _ عند قاسم حداد بوجه خاص، وجماعة مجلة "كلمات" بوجه عام مما دفع في النهاية إلى بلورة صيغة خطاب نقدي جديد لا ينفصل عن التجربة الإبداعية، بل يصدر عنها، ثم يتجاوزها وتتجاوزه، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان التنظير والتطبيق في تواز معاً، تتدافع جميع عناصرهما باتجاه المغامرة الإبداعية لحظة التوهج، وإذا افترضنا صحة هذا، ولعله كذلك، فهل يا ترى نجح قاسم حداد في المحافظة على هذا التوازن بين التجربة والخطاب في مسيرته الإبداعية ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال المقارنة بين التجربة الإبداعية عنده والخطاب.

 

 
السيرة الذاتية
الأعمال الأدبية
عن الشاعر والتجربة
سيرة النص
مالم ينشر في كتاب
لقاءات
الشاعر بصوته
فعاليات
لغات آخرى