له حصة في الولع
نثر مائل وشعر وشيك

مؤسسة الانتشار العربي
لوحة الغلاف : عبا يوسف - البحرين

 

2- كرسي يجلس وحيدا

إقناع البرتقال بالأزرق

منذ اللحظة الأولى التي أثار فيها الكمبيوتر اهتمامي، كانت الدوافع تتصل بالدور الجمالي لصورة النص الأدبي والمتعة البصرية التي سأبالغ دائما بالولع بها. قبل ذلك لم يكن سهلاً تخيل نفسي أستخدم هذا الجهاز. كان الأمر بالنسبة لي ضرباً من الاستحالة. وفي دفعة واحدة (لا تتجاوز الدقائق العشر) تمكن صديق لي من تحقيق الصدمة الحضارية التي نقلتني من عالم إلى عالم آخر مختلف، بنفس درجة الاختلاف بين الجلوس بجانب الجدار والذهاب إلى المجرة البعيدة على صهوة جامحة. ساعتها تأكدت أن خسارة فادحة قد تجرعتها كل تلك السنوات التي كابرت فيها (مثل الأعمى في النوم) على محاولة، (مجرد محاولة) التعرف على جهاز الكمبيوتر. وعندما عدت إلى البيت حاملاً الجهاز، شعرت العائلة أننا جميعاً على شفير مستقبل أكثر غموضاً من الشعر الذي أمضيت العمر أكتبه في محاولة لإقناع البرتقال بالأزرق.كان ذلك في عام 1986.

لماذا تبدو الصورة في هذه المناسبة هي العنصر الحاسم في مجمل المشهد الذي بدأ يتمثل لي طوال السنوات الأخيرة. الصورة، بوصفها آلية الحساسية التعبيرية الأولى، هي التي جعلتني أشعر بخطورة الكمبيوتر منذ الوهلة الأولى. فمن الصعوبة (لكي لا أقول من المستحيل) المقارنة بين الكلمة مكتوبة (في هيئة نص) وبينها مرسومة (في هيئة صورة). وأعتقد بما يشبه الجزم، أن الكتابة باليد هي بمثابة تثبيت الكلمة في شكل، في حين كتابتها في الكمبيوتر تعني أنك اقترحت على حساسيتك البصرية صورة قابلة للتحول بالسرعة ذاتها التي يشتغل بها خيالك، لقد أوشكت أن تضع الحركة في الفعل. هذا هو الانطباع الغامض الجدير بالاكتشاف عندما يتعلق الأمر بالعمل بالكتابة والنشر الإلكترونيين. وهنا يكمن السر الذي يميز الخط (باليد) عن الكتابة (بالبصر). فالكتابة عن طريق الكمبيوتر تنشأ (خيالياً) عن طريق العين، بمعنى أن طاقة البصر هي التي تقترح شكلاً وتعمل على تحويله، تعديلاً وإضافة وتبديلاً. والاستجابة الباهرة التي يمكن أن تتحقق في العمل على الجهاز، من شأنها أن تمنح الكتابة خصوصية تقصر عنها الكتابة بالقلم والورق عن طريق الأصابع واليد والذراع والكتف والجسد والدفتر والحبر والمكتب... إلى آخره.

الصورة هي إذن ما يجعل الكتابة، بواسطة الكمبيوتر، الأفق الجديد الذي يتوجب أن لا يتخلف عنه الكاتب العربي أكثر مما فعل. ويقيني أن العديد من الكتاب العرب الذين لا زالوا يعتقدون (بثقة مبالغ فيها) بأن حساسيات الكتابة بالقلم وجمالياتها هي الصالحة حتى الآن لطبيعتهم الأدبية والإنسانية، أقول أن هؤلاء يخسرون ما لا يقاس من العناصر التعبيرية الجديدة التي لن يتمكنوا من اكتشافها كنعمة إلا بالتجربة، التجربة المباشرة التي تضعهم في المستقبل. أقول أيضاَ أنهم بمواصلتهم تفادي الخوض في هذه التجربة، إنما يغفلون عن فضاء شاسع من المحتملات الجميلة في حقل تحولات الصورة. الصورة، بوصفها النسغ السري في العملية الفنية، وجدتها، فيما أتقدم في عالم الكمبيوتر، تتجلى أمامي بما لا يحصى ولا يقاس من السبل المفتوحة لكي أحقق درجة من التعبير تغري ولعي الفني وتضاعف من توغلي في التجربة. فلم تعد الأدوات والعناصر محدودة كما هو الحال يوم كنت أستخدم الورق والقلم، ولم تعد الحساسية الفنية مقصورة على طاقة محدودة في التراكم البشري المألوف. لقد تغير الأمر لدرجة أن شعوراً بما لانهاية الأفق أمام النص، متوقف دائماً على قدرتي على إطلاق المخيلة وتشغيلها بالعناصر والآليات الجديدة.

لقد أصبح النص، بواسطة الكمبيوتر، جسداً حياً أستطيع أن ألمسه بالفعل، ألمسه بصرياً ومادياً بحيث يمكنني حقاً أن أعيد تشكيله وأواصل خلقه بلا توقف. لقد أصبح النص الآن كائناً موجوداً وحياً مثلي، أعني أنه موجود وحي بقدر ما أنا موجود وحي. كما لو أن النص الآن هو أنا. وبهذا سوف تبدأ من جديد مسألة العلاقة المتماهية بين الشكل والمضمون، أو الشكل متقمصا المعنى وممتزجا به. تلك المسألة التي كاد الحديث عنها يتوقف أو يستقر بسبب استنفاد العناصر القديمة في معالجة هذه المسألة، خصوصاً لكون الثقافة العربية لم تزل تصدر حتى الآن عن الحساسية القائمة على الأذن. أما الآن، وبعد أن بدأت علاقتنا بالكمبيوتر تقترح علينا عناصر تعبيرية جديدة تعتمد الحساسية البصرية، توجب علينا إيقاظ الكامن والمسكوت عنه من الحساسيات الفنية الأخرى. لذلك فإن تحول النص، عبر الكمبيوتر، إلى ضرب من الكائن المتجسد الحي، فرض (لئلا نقول افترض) فينا بعداً مغايراً في فهم المعنى بوصفه تجلياً غامضاً (قيد الكشف المستمر من قارئ فعال) للشكل. دون أن يدفعنا ذلك للوقوع ضحية الوهم بوجود ثمة مسافة بين الشكل والمعنى. الطرفان هنا، سوف يمتزجان بصورة (والأجمل القول : في صورة) غير مسبوقة على صعيد العمل الإبداعي. ففيما يقرأ الكاتب نصه على الشاشة فإنما هو يلامس المعنى متجلياً في شكل. وبالضرورة دائماً أن يتحول هذا الشكل، بفعل طاقة المخيلة في الحساسية البصرية، إلى دلالات مفتوحة على المعاني ومرتبطة بها في آن. حيث لم تعد الدلالة مقصورة على النص باعتباره (كلاماً صائتاً) فحسب، ولكن الأهم خصوصاً، أنها سوف تتصل بالنص بوصفه (كتابة مرئية). مما يجعل النص يتكاثر باستمرار تحت (سمع) الآخر و(بصره)، مثلما تعرض للخلق وإعادة الخلق بين يدي الكاتب ومخيلته قبل ذلك.

الآن، يمكنني تقدير ما يخسره المبدع المعاصر كلما بالغ في التخلف عن تجربة العمل على الكمبيوتر. فبعد أكثر من خمس عشرة سنة من التجربة، ينبغي الاعتراف أن ثمة آفاقاً غاية في الجمال والشساعة قد أتاحها لي العمل على هذا الجهاز. أكثر من هذا، من المحتمل أنني قادر على تفسير جانب من الحالات التي يتعثر فيها بعض الكتاب في سياق علاقتهم مع الكتابة في السنوات العشر الأخيرة. خصوصاً إذا وضعنا في الاعتبار الحساسيات التي نشأت في الحياة من حولنا، وإصرار بعض الكتاب في تفادي الاعتراف بأهمية هذه المتغيرات في التجربة الأدبية. فالواقع الذي نتحرك في مائه، هو نسيج غامض من العلاقات، لابد لنا (بوصفنا كائنات ثقافية) أن ندرك كنهه ونستوعب طبيعته واتصاله الحميم بنشاطنا الإنساني. أقول الآن عن علاقتي بالكمبيوتر واستخدام طاقاته وقدراته في حقل الكتابة والتأليف، لأنني أجد نفسي الآن ومنذ أكثر من خمس سنوات في خضم تجربة أكثر غنى واتساعاً واتصالاً بالعمل الثقافي والتجربة الأدبية. وأعني بها تجربة شبكة الإنترنت.فقد وجدت أن الكلام عن الأخيرة لن يجدي إذا لم يتحقق قبل ذلك الاقتناع الواسع بالتعرف على تجربة الكمبيوتر، باعتباره المدخل الرئيسي للعلاقة بالإنترنت. وليكن معلوماً أن هذا الحديث لا يزال ثقافياً

 
 
السيرة الذاتية
الأعمال الأدبية
عن الشاعر والتجربة
سيرة النص
مالم ينشر في كتاب
لقاءات
الشاعر بصوته
فعاليات
لغات آخرى